منذ اعتلائه سدة الحكم وإلى غاية اللحظة والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يؤكد ويلح على الحاجة إلى «الاتحاد المتوسطي» الذي أصبح فيما بعد «الاتحاد من أجل المتوسط»، تكون إسرائيل طرفاً فيه ويحضر مراسم افتتاحه في 13 من شهر يوليو القادم بباريس رئيس وزرائها ايهود أولمرت.

ساركوزي يريد من مشروع الاتحاد من أجل المتوسط استحداث إطار تشاوري لمحاربة ظاهرة الإرهاب التي تحسب لها فرنسا ألف حساب خاصة بعد تهديدات «قاعدة المغرب الإسلامي» باستهداف أراضيها ومصالحها القومية. وهذا ما أكدت عليه في الأسبوع الماضي وزيرة الداخلية الفرنسية ميشال أليو ماري لدى زيارتها للجزائر.

المشروع كذلك يتعلق بالتصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية التي تزحف بشكل متصاعد إلى دول الضفة الشمالية لحوض المتوسط. ساركوزي مهتم بحوض البحر الأبيض المتوسط لاسترجاع ما ضيّعه شيراك وميتران ومن سبقوهم في الإليزيه.

حيث فشلت فرنسا في إدارة علاقاتها مع مستعمراتها السابقة بطريقة رشيدة وبراغماتية. فعلاقتها مع الجزائر أتسمت عبر عقود من الزمن بالتوتر تارة والهدوء والسكينة تارة أخرى ولم ترق أبدا للإمكانيات الكبيرة التي تتوفر لدى البلدين والاستفادة منها واستغلالها على أحسن وجه.

لماذا الاتحاد من أجل المتوسط وما هي أهداف ساركوزي من وراء هذا التكتل الجديد وما موقف ألمانيا والاتحاد الأوروبي من انفراد ساركوزي بالمبادرة؟ من أهم أهداف هذا الاتحاد هو محاولة فرنسا استرجاع ما ضيعته اقتصاديا في الضفة الجنوبية للمتوسط بعامة والمغرب العربي بخاصة وهذا لصالح الولايات المتحدة الأميركية والصين ودول جنوب شرق آسيا.

من خلال الاتحاد من أجل المتوسط يحاول ساركوزي استرجاع مناطق نفوذ فرنسا في منطقتها الطبيعية خاصة وأن الاقتصاد الفرنسي يعاني من مشاكل وأزمات ومن ضعف الفعالية والمنافسة. ساركوزي يحاول كسب دول المنطقة لكنه يتمسك بروح الوصاية والأبوية الأمر الذي جعل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة يتريث ويتحفظ في تبني الاتحاد والانضمام إليه، مثله في ذلك مثل الرئيس المصري حسني مبارك الذي لم يستلطف مبادرة ساركوزي.

يحاول ساركوزي الاستفادة من الفشل الذر يع الذي أصاب مسار برشلونة ويرى بعض المراقبين أن الاتحاد من أجل المتوسط ما هو إلا مظلة سياسية جديدة للشراكة الأوروبية المتوسطية.

مسار برشلونة لم يسفر سوى عن نتائج مخيبة للآمال بسبب الصراع العربي الإسرائيلي. مشروع ساركوزي مهدد بالفشل قبل أن يرى النور لعدة اعتبارات من أهمها أنه يريد من الجيران «المتوسطيين» أنابيب النفط والغاز و«الحاويات»-أسواق للسلع الأوروبية- ومجالات الأمن، أي المزيد من الأمن والطاقة والمال، أما مصلحة دول جنوب الضفة فهذا أمر لا يهم المستقبل الذي يحاول ساركوزي التأسيس له.

فالمحرك الرئيسي لمبادرة الاتحاد المتوسطي هو الإرهاب والهجرة السرية وإقحام إسرائيل في الفضاء المتوسطي والوقوف أمام انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

يرى المراقبون أن مشروع الاتحاد من أجل المتوسط محكوم عليه مسبقا بالفشل بسبب أحادية النظرة والرؤية من قبل الرئيس الفرنسي. فالشراكة التي يريدها ساركوزي تفتقد إلى الإجماع الأوروبي من جهة، وتصطدم بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي من جهة أخرى. ساركوزي يريد تنظيم وترتيب مصالحه في الضفة الجنوبية للمتوسط، حيث أنه يطالب بنسيان التاريخ والماضي والتركيز على المستقبل من خلال معالجة ملفات كالأمن والإرهاب والهجرة غير الشرعية وضمان الأمن الطاقاوي الفرنسي.

أما دول جنوب الضفة فتكتفي باستهلاك المنتجات الفرنسية والاستفادة المحدودة من فرنسا في مجال التكنولوجيا النووية المدنية.

فرنسا على عكس الدول الاستعمارية الأخرى لم تعرف كيف تدير علاقاتها مع مستعمراتها السابقة، والدليل على ذلك علاقاتها المتوترة مع العديد من الدول الإفريقية والمستعمرات السابقة الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام الدول العظمى لتستغل هذا الضعف الفرنسي لتنتهز الفرصة وتحل محل فرنسا كالولايات المتحدة الأميركية والصين والهند.. إلخ.

فدول الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط اليوم، تتمتع بإمكانيات هائلة وبمشاريع بنيوية معتبرة تؤهلها للتعامل مع التوازنات الدولية وفق مصالحها الاستراتيجية. وهذا يعني أن فرنسا مطالبة بمراجعة سياساتها إزاء دول المنطقة بما يخدم مصلحة الطرفين. فالاستمرار في سياسة الوصاية والأبوية لا يخدم سوى مصالح الأميركيين والصينيين وغيرهم في المنطقة.

فأوروبا وخاصة فرنسا مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، أن تتحرر من مرجعية الوصاية التاريخية و«التعالي» والسلوك التقليدي الكلاسيكي في المنطقة، وسياسة الأبوية وأن تقوم بمبادرات تكون أكثر واقعية وبراغماتية في حساباتها الاستراتيجية واختياراتها السياسية والاقتصادية لتكون مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة مع الشركاء في المنطقة. أما مشروع الاتحاد من أجل المتوسط فلن يكتب له النجاح إذا أنحصر في موضوع الهجرة غير الشرعية والإرهاب والأمن والطاقة وإقحام إسرائيل في النسيج المتوسطي العربي.

حيث ان هناك مواضيع أخرى أكثر أهمية بالنسبة لدول الضفة الجنوبية للمتوسط يجب وضعها في جدول الأعمال ودراستها بجدية. ومن أهم هذه المواضيع القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في أن ينعم بدولة حرة ومستقلة.

فإسرائيل مستمرة ومتمسكة بسياستها الاستعمارية الاستيطانية واختراق وعدم احترام الشرعية الدولية وتستفيد رغم كل ذلك من الدعم الفرنسي والأوروبي ومن انحياز لا محدود لسياساتها في المنطقة. ازدواجية المعايير هذه قد تضر بأي شراكة عادلة وناجحة ومبنية على الاحترام المتبادل بين الشمال والجنوب، وخير دليل على ذلك هو فشل مسار برشلونة منذ سنة 1995، حيث إنه بقي كيان بدون روح وبدون نتائج تذكر.

كل الدلائل تشير إلى فشل الاتحاد من أجل المتوسط قبل أن يرى النور لعدة اعتبارات من أهمها مشاكل دول الضفة الشمالية - مشكلة الصرب وكوسوفو، المشكلة القبرصية، مشاكل تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي- من جهة، ومشاكل الضفة الجنوبية والمتمثلة في الاتحاد المغاربي ومشكلة الصحراء الغربية والصراع العربي الإسرائيلي من جهة أخرى.

أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae