من يبحث منكم اليوم عن كل أسباب مسلسل العنف سيجد الطائفية عند الفرقاء، تختبئ وراء الجدران الواهية، هي التي تحرك وتتحرك هنا وهناك. إن مشروعاً طائفياً مقيتاً بدأ يغزو عالمنا سياسياً منذ سنوات وهو يحمل هوية انقسامية فئوية عنيفة هدفه الفرقة لا الشراكة والأحادية لا الانسجام، والعنف لا السلام، انه مشروع لا يكتفي بتخوين أبناء الحاضر، بل يريد نقل التخوين إلى كل من الآباء والأجداد في الماضي والاستمرار بأداة التخوين لأبنائنا وأحفادنا في المستقبل، انه لا يريد المواطنة أساسا للتعامل ويمقت حتى ذكر العروبة هوية وانتماء، بل يكتفي بالتخندق المذهبي وتوزيع الاتهامات، فالكل في نظره خونة ومتآمرون وظلمة وجبابرة وهو الوحيد الأمين والمثالي والمخلص.

ماذا يريدون من لبنان؟ هل يريدونه أن يصبح مهشما على طريق العراق؟ هل يريدونه مشروعا آخر للتقسيم والفدرلة؟ ألا يجدون في نموذج العراق مثلا دامغا في التشرذم؟ لماذا لا يفكرون في أن الفرز الفئوي لن يقود إلا إلى التهلكة في مجتمعات متداخلة؟

لماذا نقلوا المعركة من الخارج والأطراف إلى المركز والدواخل؟ لماذا ازدواجية المعايير في طبيعة العلاقات مع الخارج؟ من بقي حتى اليوم يرتبط بوطنه وأرضه ارتباطا حقيقيا بعيدا عن أي طرف خارجي؟ من بدأ يكّلم الآخرين بمنطق القوة والعنجهية ووصف كل المخالفين بالرأي خونة وعملاء؟ لماذا لم يتنازل الفرقاء في لبنان عن مطالبهم قليلا كي لا يجعلوا لبنان مشروعا عبثيا ثانيا كالعراق؟

إذا كانوا يريدون الصراع من دون السلطة، فهل يتم اختطاف الدولة؟ وهل يريدون فدرلة لبنان؟ وعلى أي أساس جعل لبنان مجموعة كوميونات مشرذمة تتحكم بها كميونة كبرى ترسم سياساتها في الخارج؟

لماذا تأجيج كل الأزمة بالحديث عن الفرقة المذهبية والطائفية؟ ألا تعتقدون بأن هذا سيجرّ لبنان إلى التهلكة ـ لا سمح الله ـ وسيجعل لبنان بيئة صالحة للتنظيمات الإرهابية كالذي حدث في العراق! إذا كنتم تتحدثون عن الوحدة الوطنية، فما الذي يجعل الفرقاء كلّ في طريق من دون الاتفاق على مبدأ الحوار نفسه؟ وإذا كان هناك أي حوار، فهل ستكون الثقة مغروسة في الأعماق؟

وهل ستكون الأجندة لبنانية حقيقية أم أنهم يتحاورون بالنيابة عن أطراف أخرى؟ على كل اللبنانيين أن يفكروا قليلا ويتأملوا ويسألوا انفسهم: من الذي حمل مشروع المقاومة ووقف بالضد من إسرائيل وكل مشروعاتها ضد لبنان؟ ألم تقف كل الأطراف وراء المقاومين اللبنانيين بمعزل عن هويتهم وانتماءاتهم وطوائفهم؟ ولكن في الوقت نفسه ينبغي أن يسأل كل لبناني نفسه: من الذي أعاد بناء لبنان من جديد منذ عشرين سنة؟ من الذي أصلح قيمة الليرة اللبنانية ورفعها من الحضيض؟ من الذي شجع السياحة؟

من الذي أعاد الأمن والاستقرار وازدهار السوق؟ من الذي أنفق الملايين من الدولارات على استعادة البنية التحتية؟

من الذي أبقى على تقاليد الديمقراطية اللبنانية حية ترزق على امتداد مسلسل الحرب الأهلية وما بعدها؟ من الذي بقي ساكتا دون أن يجهر متشدقا بطائفيته وانتماءاته من شماله وجنوبه، ومن بقي لبنانيا حتى العظم؟ من الذي تعّصب لعقدته الطائفية أو الفئوية واستسلم لمشكلته المذهبية ولم يتعلم شيئا من سنوات الحرب الأهلية العجاف؟ من الذي شارك في مسلسل الرعب بقتل أبرز الشخصيات اللبنانية على امتداد أكثر من ثلاث سنوات مضت؟ من الذي خلق الاحتدام الطائفي الجديد بين الملل؟

وكأن اللبنانيين لم يكلوا ولم يمّلوا من الانقسامات الطائفية التي عاشوها منذ أربعة قرون؟ وكما هو حال العراق، ثمة صراع طائفي متداول في كل مكان ويريدون التغطية والتعمية عليه لأسباب مبهمة، إنهم يتنازعون باسم الطوائف، ولكنهم يريدون التعتيم إعلامياً من أجل إيهام أنفسهم والعالم بأن الصراع يحتدم على مشروعات سياسية لا أكثر ولا أقل؟

وكما هو الحال في العراق، يتشدقون بالوحدة الوطنية في حين أن التهتك الطائفي والعرقي يأكل المجتمع العراقي. ماذا ينتابك كإنسان لا تعنيه الطائفية أبدا؟ إنك ستجد حربا أهلية خفية تستخدم فيها كل الوسائل المهينة والمناورات اللاأخلاقية لتحقيق أهداف معينة تعمل كلها من أجل أهداف استراتيجية ربما لا علاقة لا لأهل لبنان ولا لأهل العراق بها!

ستكتشف أننا نعيش حربا أهلية في دواخل النفوس والمشاعر وليس على أطراف الأزقة والشوارع اليوم، ويا ويل مجتمعاتنا في الشرق الأوسط وخصوصاً في العراق ولبنان وغيرهما ان تحوّلت حرب النفوس والمشاعر والأفكار والإعلام الساخن إلى حرب دواخل وشوارع ومدن وأرياف وتخوم، يا ويلنا إن تحولت الخطوط الفاصلة الطائفية والمذهبية في مجتمعاتنا وبلداننا إلى انتصاب خطوط تماس حمراء بين الفئات لا يقطعها إلا رش الدماء!

وعند ذاك نسأل: من يكون المستفيد يا ترى؟ من سيلعب لعبته يا ترى؟ من سيجني ثماره يا ترى؟ إن على كل إنسان يعيش في منطقتنا وعالمنا أن يصرخ لا للطائفية ولا للتشرذم ولا للانقسام ولا لحرب الكراهية ولا لصراع النفوس والدواخل.

مؤرخ عراقي

moc.limajlarayyas.www