القول بأن الوضع في الشرق الأوسط «غير مقبول»، بل هو الحقيقة بعينها. لا يجادل فيه عاقل، على دراية بأحوال المنطقة. بل ربما كان فيه كثير من التخفيف والتلطيف. واقع الأمر أن أوضاعها كارثية. حزام العنف الدموي الأهلي، يزنّرها، من العراق إلى الصومال؛ مروراً بلبنان وفلسطين والسودان... والحبل على الجرّار. سكاكين التقطيع تمعن القصّ في جسدها ومفاصلها.
الاحتلالات تعبث بمصائرها وبساحاتها تفتيتاً وتفكيكاً. كافة أنواع الأعاصير تعصف بها، من كل صوب. كله يجعل من عبارة «غير مقبول»، أقل ما يقال في الوضع. لكن أن يكون الرئيس بوش هو قائلها، وبلهجة شكوى، فذلك فيه تزييف وتعمية، كبيران. بل فيه استخفاف بعقول الناس. وكأن لا علاقة له، من قريب أو من بعيد، بهذه الأحوال وأخطارها وأوجاعها وما تختزنه من تداعيات مدمّرة.
نسي الرئيس، أو تناسى، بأن سياسات إدارته، وإجمالاً سياسات واشنطن المزمنة، تجاه المنطقة وقضاياها؛ كانت من أبرز العوامل التي أسست للانهيارات المتواصلة والمتزايدة في المنطقة.
خطيئة غزو العراق، جرّت على المنطقة ويلات وأوقعتها في نزاعات قاتلة. أدخلت العراق في نفق مظلم، له أول وليس له آخر. فجّرت وأجّجت صراعاته الأهلية، في أبشع صورها وأكثرها نزفاً وهلاكاً. تركت البلد، حتى اللحظة، في مهب الريح.
والأنكى من ذلك أن إدارة الرئيس بوش، التي افتعلت وفبركت ذرائع تلك الحرب المتهورة، لا تنفك تتحدّث عن فضائلها «الديمقراطية». ناهيك بأهميتها في «محاربة الإرهاب والتطرف» والعنف؛ والذي شهد كله انتعاشاً غير مسبوق. السياسة الأميركية دأبت على توفير الحماية والدعم وتأمين التفوق للدولة العبرية، من دون حساب.
وبالذات في عهد هذه الإدارة، التي أغدقت على إسرائيل، بالدعم والتماهي، وسكتت دهراً على توسّع الاستيطان. ما من مرة أدانتها. حتى لا نقول ضغطت فعلاً لوقفها.
غضت الطرف عن هروبها ومراوغاتها، في «عملية السلام» والتزاماتها. باركت حصارها الخانق للشعب الفلسطيني. برّرت سياسة الاغتيالات، التي لا تزال إسرائيل تمارسها. والآن يأتي الرئيس بوش في زيارة خاصة ليشارك الكيان احتفالاته بذكرى مرور ستين سنة على قيام دولته.
ولا يقتصر هذا الشطط في السياسة الأميركية، تجاه الشرق الأوسط، على هاتين الساحتين فقط؛ بل يشمل ساحات أخرى. واليوم ينبري الرئيس بوش ليشكو متذمراً، من سوء الأوضاع في المنطقة! الذين لهم الحق في الشكوى، هم أصحابها. بل لهم الحق في توجيه إصبع الاتهام، في ذلك، نحو واشنطن. وبالتحديد نحو الرئيس بوش وإدارته. فهو آخر من يجوز له أن يشكو، في هذا المجال.
