يكفي المواطن السعودي أن يعبر جسر الملك فهد إلى البحرين أو يركب الطائرة في رحلة لا تزيد عن تسعين دقيقة ليحط في مدينة خليجية مثل دبي مثلا تشترك معه في ذات الخلفية السياسية والاجتماعية والقبلية والمحافظة ليشهد النساء الخليجيات منذ أن تطأ قدمه المطار يعملن في مكاتب الجوازات والحجز وفي الشارع يقدن سياراتهن وفي الحدائق العامة يراقبن صغارهن.
وفي المطاعم يجلسن مع عائلتهن دون حواجز خشبية ودون تقسيمات (عائلية - عزاب).سيجدهن في المقاهي وعلى البحر وفي دور السينما يتجولن في المدينة مع عائلتهن أو رفيقاتهن بزيهن الوطني وحجابهن الإسلامي السافر عن وجوههن (العباءة والشيلة) ويظل في دخيلته موافقا، أو مطمئنا دون تحفظات على أن ما يراه هو مشهد طبيعي لا يخدش العرف والأخلاق ولا يتناقض مع الفضيلة.
لكن هذا السعودي نفسه ذكرا كان أو أنثى يصيبه انشطار هائل،فينقسم وينقلب إلى عكس الشخص الذي كان حين تظهر قضية تتعلق بالنساء في بلاده، لعل آخرها قرار أمير منطقة مكة المكرمة الذي يقضي بالسماح بعمل المرأة في مؤسسات مختلطة على أن يكون هذا الاختلاط مراعيا لضوابط الشريعة الإسلامية التي أساسها العفة واحترام المؤمنين والمؤمنات لبعضهم والمحافظة على أعراضهم بالتساوي أي واجبا لا يعفى منه الذكر وتلزم به المرأة فالخلق الرفيع سمة المسلم.
هذا القرار كالعادة أثار تحفظات - إن لم نقل معارضة- شريحة واسعة من المجتمع رجالا ونساء على حد سواء، كما فعل القرار الذي سبقه والذي اضطرت وزارة العمل بالتراجع عنه، فقد أصدرت الوزارة نظاما يسمح للنساء بالبيع في محلات الألبسة (الداخلية) - الخاصة بالنساء - في الأسواق العامة بدلا مما هو متبع حاليا وهو بيع الذكور للنساء هذه الملابس ومفاصلتهن وإعطائهن النصائح حول الشكل والمقاس ! وهنا قد يتساءل الأمر أين هو الاختلاط طالما الأمر نساء يبعن للنساء؟.
إلا أن المعارضين وجدوا أن الاختلاط سيحدث بين دكاكين الذكور ودكاكين النساء، متناسين أن لو واحد من هؤلاء هبط إلى سوق المعيقيلية أو«أوشيقر» في مدينة الرياض وهما أكثر الأسواق شعبية وقدما لوجدوا «أم سعود» تبيع الحناء وشراشف الصلاة والزعفران لجمهور عريض من الناس وفي مقابل بسطتها يفتح أبو محمد دكانه ويحييها كل صباح ومساء وقد يشرب قهوتها إن دعته إليها في حشمة يحترمها المجتمع ويحث عليها.
الغريب أن أول من أطلق حمم الرفض هي الأبواق الدينية- التي تبعهم بطبيعة الحال الجمهور العام خشية من الوقوع في الإثم -، بحجة رفض الاختلاط الذي لم يروه سوى في أن تحتل المرأة موقعا في دكان بدلا من بسطة (بساط بيع) في سوق عام، فيما لا يمثل خدشا للحياء ولا للمنطق أن يبيع الرجل للمرأة لباسا داخليا على بعد سنتيمترات منها.
أتفق بعض المحللين أن يكون التيار المحافظ والمتشدد هو أول المعطلين لهذا القرار لأن(الأيديولوجيا) التي هي منظومة الأفكار، تتسلح أحيانا بالأخلاق مرة ومرة بالدين ومرة بالعرف ومرة بالمصالح وهي التي تدير الأمور على مزاج مصالحها ومصالح أطراف القوة في المجتمع دون أن يكون الهدف الأول هو مصلحة الوطن والمواطن وإعلاء القيم الحقيقة وليست المفتعلة والوهمية.
ما قاله بعض المتداخلين في برنامج استطلاع بسيط للآراء بثته قناة العربية أتفق فيه ما يزيد عن التسعين بالمئة منهم على أن نزول المرأة للعمل في مؤسسات يشغلها ذكور هو مخالفا للدين والأخلاق وللأعراف ويمثل مخاطر على الدين والمجتمع و(ما يجوز وما يصلح)، هذا الواقع الذين يريد كثيرون أن يستمر هو واقعا متجاهل لكل مصالح المجتمع ليس فقط نساءه بل لتحضره وتنمية اقتصاده.
فتزايد فصل النساء عن الذكور حتى في حدائق الحيوان والمطاعم، يعمل على عزل وتعطيل وتغييب نصف المجتمع الذي يمثل اليوم تسعة ملايين امرأة من واقع ثمانية عشر مليون سعودي، هذه التسعة ملايين لا تمثل في ميزان قوة العمل سوى نسبة تراوح في الإحصاءات المعلنة بين 11% ويقال إنها أقل من ذلك بكثير.
كما أن هذا العزل لم يعد يؤثر على واقع المرأة النفسي وتدني قيمتها والنظرة إليها في المجتمع بل أصبح يجعل حضورها المجتمعي أشبه بكابوس كلما جيء على ذكره في برامج التنمية والتطوير لتلحق بما حققته زميلاتها في الخليج، قامت الدنيا ولم تقعد فكل قضية تنموية في بلادنا لا تلقى نوازع الشقاق حتى تأتي قضايا النساء.
وفي اليوم الذي نشهد فيه تقدم المرأة البحرينية في مجال الحصول على الحق السياسي في الترشيح للبرلمان ولحاقا بالمرأة الكويتية التي حصلت على حق الانتخاب والترشح لاحقا والقطرية والإماراتية والعمانية التي تحمل حقائب وزراية مهمة كالاقتصاد والخارجية بل وحتى إن المرأة في اليمن تتقدم في مكاسبها القانونية والمشاركة في التنمية، عن المرأة السعودية.
في ظل هذا التنوع للحضور والمشاركة المتطورة للمرأة الخليجية والتي لا تزال استراتيجية التنمية تطمح بالعمل على زيادتها نجد في بلاد مثل السعودية سياسات تميل نحو عزل النساء والتوجس منهن، وثقافة تعبأ أفرادها كل يوم تحفظا وتشدد كلما أتجه العالم نحو الانفتاح ومرونة التنظيمات وحماية الحقوق والتسامح.
هذه السياسات والضخ الثقافي المستمر مسؤول عما نراه اليوم من حيوية الأوهام الكبيرة التي تخيفنا وتقض مضاجعنا فتصبح مصطلحات مثل الاختلاط صار مقابلا لمفاهيم تصورنا وكأننا نتحدث عن ملاهي ليلية أو دعوات للرذيلة، دون أن نعي أن مثل هذا الفهم يثير ليس فقط تسميما للوعي بل يشوه صورتنا أمام أنفسنا وأمام الآخرين حين نبدو وكأننا وحوش كاسرة لا تأمن نساؤنا على أنفسهن في المؤسسات وفي مرافق الحياة العامة.
إن من يدافع عن عمل النساء هو ذلك المؤمن بأنه لا يمكن لمسلمة في مجتمع مسلم أن تكون أقل أمنا من مثيلاتها في الدول الخليجية والإسلامية المجاورة، وإن حدث عكس ذلك فعلينا أن لا نفكر أن الحل الأسلم هو إبقاؤها في بيتها بل أن نتتبع الخلل الكامن في جعلنا وحوشا تطارد النساء وتضايقهن حتى في عيشهن.
كاتبة سعودية