إذا أردت أن تعرف ما يجري في الشرق الأوسط عليك أن تدرك ما يجري في لبنان! أصبحت الساحة اللبنانية، هي المختبر لما يخطط له في المنطقة، فلبنان هو ساحة الحرية، وهو في الوقت ذاته يدفع دائماً الثمن لصراع القوى، سواء على المستوى العربي أو العالمي.
فهل يعقل أن يعاني الإنسان في لبنان كل هذه المعاناة على مدى عدة عقود، لأنه يعيش في بقعة جغرافية هي بؤرة الصراع العالمي، سواء في الجانب السياسي أو الطائفي أو العرقي، أو حتى الطبقي؟! تعود بي الذاكرة إلى السبعينات من القرن الماضي حينما شاءت الظروف أن نلتقي مع الإنسان الرائع كمال جنبلاط، ذلك الذي جمع بين السياسي والفيلسوف، كما كان ذلك الرائع جميلاً في حديثه.
كنا مجموعة من طلاب الجامعة، ممن يجمعهم حب الوطن، والشعور الإنساني بحب الإنسانية، والإيمان بأن التطور هو سنة الحياة، وأن الصراع لا بد وأن يكون لصالح البشرية، فلا القوة النازية أو الفاشية ولا حتى الرأسمالية، تستطيع أن تقمع طموحات البشرية للعيش بسلام.
وفي تلك المرحلة انتصرت الإرادة الإنسانية في فيتنام، وفي المقابل برزت قوى ضد الإنسانية في بقاع مختلفة من العالم، سواء في العراق، أو في أميركا اللاتينية حيث تم اغتيال الليندي، ذلك الزعيم الذي وصل إلى السلطة من خلال صناديق الاقتراع!! كان الجميع يبحث عن رؤية للمستقبل نحو حياة مستقرة وهادئة، ودون اضطهاد أو هيمنة من قبل الأقلية ذات النفوذ.
كانت فترة الأحلام الرومانسية، الشباب يبحث عن المنقذ! ومما لا شك فيه أن المشارب الإيديولوجية مختلفة، وربما متعارضة في الوقت نفسه، إلا أن الجامع في ما بين تلك الخطوط المتشابكة هو البحث عن الحل لأزمة الإنسان بشكل عام، والإنسان العربي بشكل خاص.
بعد ما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمان، أتذكر وجه ذلك الإنسان الرائع حينما كان يتحدث عن الأوضاع في بؤرة الصراع العالمي، حيث أكد أن انطلاق رصاصة للمقاومة تحدث زلزالا في المعسكر الآخر، وهنا لا بد أن نتذكر أن الحديث ذاك كان في سبعينات القرن الماضي، كان كمال جنبلاط يتحدث في نادي الاستقلال بالكويت وليس في بيروت.
كان الدكتور أحمد الخطيب، مؤسس حركة القوميين العرب، يستمع هو وآخرون لما يقوله جنبلاط، وهم يدركون أن التغير السياسي له العديد من الوسائل التي قد يكون أكثرها تطرفاً استخدام السلاح حينما تفشل كل الوسائل الأخرى. إلا أن الإنسان حينما يعجز عن تحقيق غاياته بالطرق السلمية يلجأ إلى الرصاصة بدلاً من الكلمة.
وفي هذا المجال يبرز التمايز بين المجتمعات الديمقراطية في العالم المتحضر والدول في العالم الثالث، سواء في آسيا، إفريقيا أو أميركا اللاتينية. إلا أن تحرر نيلسون مانديلا وغاندي، هو الاستثناء في حالة المقاومة من أجل مستقبل أفضل للإنسانية، لأن النصر كان حليفا في كلتا الحالتين.
برز من جديد ذلك الإنسان المزعج، والذي أحاول قدر المستطاع أن أقمع خروجه لي في هذه اللحظات، إلا أنه يصر على فرض وجوده من جديد، رفع صوته قائلاً: ألا تدرك أن الحديث الآن في قرن جديد وفي ظل ظروف جديدة، ومعطيات جديدة؟
وفي القرن الجديد، والألفية الجديدة، ألا تدرك أنك تتحدث في ظل القطب الواحد، وفي ظل بروز مرحلة الهيمنة الجديدة، ولا أريد أن استخدم المصطلحات القديمة، مثل الإمبريالية والاستعمار وحركة المقاومة، و..و... الخ. وأن الصراع العالمي قد اتخذ من الجانب الديني والعقائدي منحى للصراع في العالم.. وأن الآليات قد اختلفت عما كانت عليه في القرن الماضي؟!
إن الزمن والأشخاص قد تغيروا عما كانوا عليه منذ فترة طويلة، وبرزت للسطح الصراعات الدينية، مسلم، مسيحي، يهودي، علماني... الخ. وفي هذا الجانب برزت أيضاً.. سني، شيعي، وقس على ذلك في الديانات الأخرى، حتى ان الحروب الصليبية ظهرت من جديد.
وهنا لا بد من العودة إلى الوثائق الرسمية للأجهزة التي تتحكم في العالم، ففي فترة الحرب الباردة ساهمت تلك الأجهزة في بروز القوى المتناقضة مع العدو، الشيوعية مع الأحزاب الدينية، وخاصة في أفغانستان، وحتى في لبنان، وهي امتداد للتجربة المصرية في فترة الانتداب البريطاني في مصر، إذا هي حلقات متواصلة على المدى الزمني الطويل.
إلا أنها لا تختلف في الفحوى عن كتاب «الأمير» في كونها ترى أن الغاية تبرر الوسيلة، وهي للأسف استحدثت من قبل كل الأطراف، سواء الرأسمالية أو غيرها من الاتجاهات الفكرية، لذا فقد بعدت السياسة عن الأهداف النبيلة.
ومن هنا فقد استُغلت حركة المقاومة لأغراض تخدم مصالح القوى الجديدة في المرحلة الحالية، وظلت القوى المهمشة في الوقت الراهن تتحالف مع القوى التي قد تقدمها قربانا رخيصا حينما تنتصر في الغد، لتأكيد أن عدم الالتزام بالمنهج يؤدي إلى الكارثة، وهنا لا بد من التذكير بأن التاريخ الحديث للمجتمعات العربية يؤكد أن ما جرى على مدى نصف قرن من الزمان، قد أدى إلى إجهاض مشروع التطور الطبيعي للمجتمع العربي.
ألا يتباكى الكثير من الساسة والمثقفين العرب على المرحلة الملكية في مصر والعراق وغيرهما من الدول العربية؟ ألم يكن من الممكن أن تتحول تلك النماذج إلى نماذج من التطور الطبيعي نحو مجتمعات تعددية وديمقراطية بدلاً من نموذج البيان رقم واحد؟
ربما كان الوضع الحالي تتحكم فيه قوى أنانية بدلاً عن قوى التطرف الديني التي تجر الجميع نحو حرب أهلية قادمة على غرار نموذج أفغانستان.. لكن الجميع ينظر الآن إلى لبنان، ذلك الذي يمكن أن يمثل نموذجاً للمستقبل، ولكن من دون تدخل من ليست له علاقة بالداخل اللبناني.
وحدة الدراسات والبحوث
