لعن الله من أيقظها! إنها الفتنة التي كنا نخاف جميعاً من اشتعالها في لبنان، وها هي تتكامل بكافة فصولها وتفرعاتها لتنذر بما هو حد الخطر، وما قد يؤدي إلى انقلاب الهيكل، على جميع من فيه. يخطئ من يظن في لبنان إنه أقوى من الفتنة، أو إنه قادر بسلاحه أو علاقاته الإقليمية والدولية أن يحقق انتصاره المزعوم عليها، من خلال تصريحات تبدو في إطارها العام وطنية لكنها في واقع الأمر غارقة حتى النخاع في آلية تكريسها كخيار مدمّر للوطن.
الشيعة في لبنان يبدون حاليا في موقع لا يحسدون عليه أبدا، ومن ورائهم كذلك من يسمّون أنفسهم بالمعارضة. فهم يبدون كمن يتحمل مسؤولية ما يجري من عنف وفوضى (خلاّقة كانت أم مدمّرة)، ومسؤولية الفشل الذريع في تبني الخيارات السياسية التي ترتقي بآمال وطموحات النسبة الأكبر من المواطنين اللبنانيين على اختلاف أطيافهم.
ويبدون من خلال تطورات الأيام الأخيرة وكأنهم محكومون ببعض الشعارات العامة والتصرفات الصبيانية التي تشهدها الشوارع، والتي قد تتحول في نتائجها الكارثية من أهواء مراهِقة إلى أهداف مقصودة ترمي إلى ما هو أبعد من حرق دواليب وقطع للطرقات، لتصل حتما إلى نهاية وطن.
وأقول لهؤلاء الذين يتلذذون بالزعم أن لبنان وطن قوي لا يمكن أن يزول، أن الفتنة والتخلف الفكري والإيديولوجي الذي يحكم لبنان كانا قادرين على إزالة كيانات وامبراطوريات أقوى بكثير ممّا يسمّى لبنان حاليا. فتوقفوا عن الغوص في تخلفكم، وحرروا عقولكم من كافة أشكال الزهو النرجسي الذي لا يصنع انتصارا. عودوا إلى ثقافة المقاومة الفعلية والحقيقية، فهي التي علّمت البشرية دروسا في التواضع والتضحية والصبر، وكذلك (وهذا هو الأهم) في حب الوطن والإخلاص إليه.
لكن إذا كان واجبنا الإشارة بيد إلى الطرف الذي أشعل عمليا فتنة الأيام الأخيرة، فإن ذلك لا يعفينا بأي شكل من الأشكال من الإشارة باليد الأخرى للطرف الثاني، الذي يشارك عن قصد أو غير قصد، عن جهل أو عن ذكاء، بتأجيج نار الكراهية والحقد والتفرقة المذهبية. فذلك الطرف المتمثل بما يعرف بقوى الموالاة ليس في موقع أفضل أبدا، بل هو ربما في نفس الموقع المحرج الذي يحمّله مسؤولية ما وصلت إليه الأوضاع في لبنان.
ولا أتحدث هنا عن أية مآخذ دستورية وقانونية، أو حقوق تفرضها نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي منحتهم حق التمتع بالأغلبية البرلمانية، بل عن قصر نظر واضح ميّز أداءهم خلال الفترة الماضية، ومنعهم من تحقيق جملة من الأمور الضرورية لفرض التغيير الذي تطمح إليه كافة قطاعات الشعب.
لقد تميّز أداء هذا الفريق بكثير من المراهقة في بعض الأحيان، وعدوانية مبالغ بها في أحيان أخرى، ما أدى إلى زيادة الفجوة بين اللبنانيين المتمترسين على ضفتي الصراع بدلا من أن يساهم في ردمها. وبات يتصرف كفريق متقوقع على نفسه وأفكاره، بدلا من أن يلجأ إلى الانفتاح على القسم الآخر من اللبنانيين ويمارس سياسة هجومية فكرية تهدف بالدرجة الرئيسية للتقرب منهم وإقناعهم بصحة الشعارات التي يرفعها.
أظن إن هذا الطرف مسؤول بنفس الدرجة عما وصلت إليه الأمور في لبنان أخيرا، حتى لو كانت شعاراته وطنية المضمون (وهي شعارات أؤمن بها شخصيا)، وحتى لو كان يؤمن في مكنونات نفسه أنه يريد بناء وطن حقيقي يتمتع بقرار سياسي مستقل ومتحرر من أية تأثيرات إقليمية أو غيرها.
ما هو المطلوب في خضم هذه التطورات المصيرية التي تضعنا أمام مرحلة تاريخية حقا من تاريخ لبنان، وهل نحن أمام تطور حاسم ستحاول من خلاله الأطراف، كل الأطراف، قلب الهيكل على جميع من فيه؟ أم أن ثمة فرصة لدرء الخطر وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح خدمة لمصالح الوطن والشعب؟
للأسف، فإن أي جواب قد يقدم على هذه الاستفسارات في هذه المرحلة سيبدو غير مقنع، أو على الأقل غير واقعي، انطلاقا من حقيقة أن جميع الخيارات التي طرحت في لبنان منذ قيامه وحتى يومنا هذا كانت بمثابة حقن المورفين التي لا تقدم علاجا جذريا بل مجرد تهدئة مرحلية لجسد يعاني من آلام مزمنة.
فالملفات المطروحة ضخمة جدا ومرتبطة بكيفية بناء وطن والدفاع عنه، في حين أن طريقة طرحها تتميّز بالتشنج والعصبية - مذهبية كانت أم إيديولوجية. وهذا هو في واقع الأمر موضع الألم ومسببه. فلقد توافقت معظم القوى في لبنان على صيغة عرفت باتفاق الطائف، يرى فيه البعض مثالا أفضلا لتسوية الخلافات في الوطن، في حين يعتقد آخرون بأنه ليس سوى انعكاس لتلك الحقنة المخدرة التي تحدثنا عنها سابقا.
وإذا تمكنا من تجاوز هذا الخلاف بشكل مرحلي كما العادة، سننتقل إلى ملفات أخرى أكثر ضخامة من مسألة التمثيل المذهبي والسياسي في المؤسسات، وهو موضوع سلاح المقاومة وشرعية ما يقوم به حزب الله من «تمرد» على الدولة ومؤسساتها، وتمسّكه بما يصفه بحق الدفاع عن الوطن، لكن دون أن يمنح ذلك الحق إلى قوى لبنانية أخرى أو على الأقل الاتفاق معها على وثيقة دفاعية وطنية شاملة تجعل من الجميع مقاومين يتغطّون بغطاء الدولة.
لا شك أن ملفات كثيرة ستتفرع دائما مما سبق سرده. ابتداء من طبيعة الكيان الذي يطمح إليه اللبنانيون ويعكسونه في كل شعاراتهم وتوجهاتهم الإيديولوجية والمذهبية، وانتهاء برغبة كل القوى بسيادة منطقها الخاص فيما يتعلق بالتحالفات الدولية التي تؤمن بها وتعتقد إنها الأسلم. أما الحقيقة المرّة في كل ما يجري، فهو أن الجميع، دون استثناء، مسؤول عن هذا المخاض العسير الذي يعيشه الوطن.
كاتب لبناني