في إحدى زياراتي إلى فرنسا في الآونة الأخيرة، وأنا جالس في أحد المقاهي مع صديق فرنسي، مر علينا شخص لأول وهلة هيئ لي أني أعرفه، لكن بعد أن وقف يبحث عن طاولة تأكدت من ملامحه أنه الرئيس الفرنسي السابق، جاك شيراك، كان بصحبته شخص قد يكون صديقه، في البداية توقعت أن يهرول كل العاملين في المقهى بما فيهم المدير لاستقباله.
لكن لا شيء من هذا حصل بل انتبه بنفسه إلى وجود طاولة شاغرة جلس عليها مع من معه وجاءهم النادل بعد برهة لأخذ طلبهما هكذا بكل بساطة، وحتى خلال وجودهما في المقهى، فإن القليلين من بين عشرات المارة الذين تعرفوا عليه ألقوا عليه التحية، أما الأغلبية فكانوا يمرون بجانبه مرور الكرام.
ولم أشاهد حوله لا رجال أمن ولا مرافقين، فسألت صديقي الفرنسي، كيف هذه اللامبالاة برئيس فرنسا السابق؟ قال الأمر ليس كذلك، فالكل يحترمه ويقدره، لهذا لا يزعجونه، لأنهم يريدون راحته ويتركونه يعيش حياته بحرية فهو الآن مواطن عادي مثلي ومثل أي فرنسي آخر.
فقلت في نفسي، هكذا تكون الشعوب في الدول المتحضرة، تترك المجال لعشرات من الرؤساء تركوا مناصبهم ليعيشوا بين ملايين المواطنين يؤدون دورهم في المجتمع، ويخدمون أوطانهم من موقع ومجال آخر، لكن السؤال الذي ورد في بالي ساعتها، هل حدث وترك رئيس دولة عربية منصبه ليتفرغ لحياته الخاصة وخدمة وطنه وشعبه في موقع آخر!
وحتى لا أظلم من فعل ذلك تذكرت ثلاثة رؤساء عرب في رأيي تركوا مناصبهم طواعية، أولهم كرم بلقب المواطن الأول لحين وفاته، لكن لم يقدم شيئاً لوطنه في موقع آخر وهو «شكري القوتلي» رئيس الجمهورية العربية السورية قبل وحدة مصر وسوريا، لتصبحا «الجمهورية العربية المتحدة»، الذي اختار الابتعاد عن الأضواء، واختار الشعبان الرئيس الراحل جمال عبدالناصر رئيساً للدولة الجديدة، ولو كان «شكري القوتلي» رحمه الله يعرف أن الوحدة بين الدولتين لن تستمر لما ترك كرسيه!
أما الثاني فهو اللواء «سوار الذهب» الرئيس السوداني الأسبق، الذي قام بانقلاب عسكري سلم بعده الكرسي لشخص ثان، ليتفرغ للأعمال الإنسانية لخدمة الدول الفقيرة، وبالذات الإفريقية، وأعتقد أنه لن يتكرر، أما أحدثهم وآخرهم فهو الرئيس الموريتاني الأسبق الذي قام بانقلاب عسكري على ولد «الطايع»، لكنه بعد فترة وجيزة سلم الحكم للرئيس الجديد المنتخب.
وهذا بكل تأكيد لن يتكرر لأنه سوف يكون آخر الرؤساء العرب السابقين في القرن الواحد والعشرين! وفي رأيي إنه ربما قد تكون المفاهيم والمعايير عند الرؤساء العرب والغرب مختلفة، فالرؤساء العرب أغلبهم يعيش حياة الشرف والرفاهية وهم في مناصبهم، ويقتصر عملهم على تلقي الأوامر وتنفيذها، وانتظار المساعدات والتفكير في كيفية صرفها!!
أما الرؤساء في الغرب فيعملون ضمن أجندة واضحة، وبجهد لتحقيق ما انتخبوا لأجله لمدة محددة وتحت مراقبة شعبية عندما يكونون في مناصبهم، وتبدأ حياتهم الخاصة، وينعمون بالراحة والرفاهية بعد تركهم هذه المناصب. كما يقومون بعد ذلك بأعمال هادفة تساعد في عملية التطوير والتغيير ليس في مجتمعاتهم فحسب، بل في مختلف دول العالم.
وقد قرأت مؤخراً في احدى المجلات الأوروبية موضوعاً حول الحياة الثانية لرؤساء الدول بعد السلطة، جاء فيه أن بعض مسؤولي العالم السابقين يعيشون تقاعدا ذهبياً، سواء كان ذلك من خلال ندواتهم المدفوعة الأجر حول العالم، أو خلال كتابة مذكراتهم التي تدر عليهم ثروة أو حتى من خلال مهماتهم الإنسانية.
فالرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك كما جاء في الموضوع يصل مجموعة مستحقاته بعد أن ترك قصر الإيليزيه إلى 30 ألف يورو في الشهر، مع ذلك تفرغ لإطلاق مؤسسة تحمل اسمه والتي تعني بحوار الثقافات والنمو المستدام، كما يستمتع بين الفنية والأخرى بقضاء إجازات مع عائلته للراحة والاستجمام وهذا ما يفعله كذلك رئيس وزراء أسبانيا السابق خوسيه ماريا ازنار الذي يعيش حياة رياضية بعد التقاعد حيث يقضي معظم أوقاته في السفر، وممارسة الرياضات التي يحبها، رغم أنه لم يبتعد كلياً عن السياسة بحكم اشتغال زوجته فيها،كما هو حال بيل كلينتون الرئيس الأميركي السابق الذي يدعم زوجته في السباق إلى البيت الأبيض، مع ذلك فهو يستثمر وقته في إلقاء حوارات وندوات حول العالم يتقاضى عن الواحدة منها 95 ألف يورو، ويتفوق عليه في الأجر رئيس وزراء بريطانيا السابق «توني بلير» الذي تتراوح اتعابه بين 130 و250 ألف يورو.
وهناك رؤساء نذروا وقتهم وأسماءهم بعد السلطة لخدمة الإنسانية، كما يفعل آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي «ميخائيل غورباتشوف» حتى لو كان ذلك إلى جانب المشاركة في إعلانات تجارية، ورغم أن السياسة هي شغف كل هؤلاء إلا أنهم تركوا كراسيهم ووجدوا لأنفسهم حياة استغلوا فيها خبراتهم وتجاربهم لخدمة شعوبهم والإنسانية في مواقع أخرى.
فمتى سوف نشاهد رئيساً عربياً سابقاً يقوم بجولة للدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان في العالم العربي كما يفعل كارتر وغيره؟ ومتى نشاهد رئيس حكومة عربية سابقا يتخلى عن كرسيه ليرأس لجنة لخدمة إنسانية كما يفعل توني بلير؟ أو يتفرغ لعائلته ويمارس هواياته كما يفعل «خوسيه ماريا أزنار رئيس وزراء إسبانيا السابق؟
قال أحد الأصدقاء مازحاً: هل هناك أحد في هذا الزمن يترك كرسيه ليشغله آخر حتى لو كان هذا الكرسي بلا سند أو ظهر؟ فما بالك بكرسي يدر على صاحبه ربحاً مادياً ومعنوياً لدرجة أنه يعتبره ملكه وعليه تركه لأولاده!
فرد عليه أحد الحضور وهو خبير اقتصادي: وهل تعتقد أن هناك رئيسا عربيا يفكر في كتابة مذكراته؟ وعن ماذا سيت حدث فيها يا ترى.. عن إخفاقاته أم تنازلاته؟! ام عن ثروته التي جمعها وهو في السلطة؟!
كما هو حال رئيس دولة أصبح من أغنى رؤساء الدول ومع ذلك فالدولة التي هو رئيسها تمر بأزمة اقتصادية حادة منذ زمن!
كاتب إماراتي
