ليس من المعقول او الانساني ان يسجن مليون ونصف المليون مواطن داخل قطاع غزة وتغلق المعابر الى مصر واسرائيل والضفة في وجوههم ويطلب منهم ان يعيشوا في هذا السجن الكبير الذي تقوم اسرائيل بادخال المواد الغذائية والادوية والوقود بالقطّارة وبما لا يكاد يسد رمق الانسان واحتياجاته ويبقيه على قيد الحياة.
هذا الوضع الخانق لا يمكن لبشر احتماله حتى وان استند الى ذرائع وحجج سياسية تستخدم لتبريره من هذه الجهة او تلك.
ولا احد ينكر او يجادل بأن حركة «حماس» استولت على مقاليد الامور في قطاع غزة بالقوة وانها ترفض الاعتراف باسرائيل او الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية لكن هذا الموقف من «حماس» ليس سببا لمعاقبة جماعية لمواطني قطاع غزة الذين هم في معظمهم اما غير مسيسين او انهم اذا كانوا مؤطرين سياسيا فهم ينتمون لاحزاب وفصائل لا تمت بصفة لحركة حماس بل ان معظم هؤلاء المسيسين غير الحمساويين هم من انصار حركة «فتح» التي تعتبر العمود الفقري للسلطة الفلسطينية ويترأسها الرئيس محمود عباس.
ان المشاهد التي تنقلها وسائل الاعلام المحلية والدولية والتقارير التي تنقلها عن معاناة مواطني القطاع المحرومين حتى من وسائل النقل العامة والخاصة بسبب نقص وقود السيارات من البنزين والسولار واستخدام بعض السائقين زيوتا نباتية لتشغيل سياراتهم مما عرضهم للامراض القاتلة واضطرار الاطفال والنساء والشيوخ للسير على اقدامهم مسافات طويلة من بيوتهم الى المدارس والجامعات والمستشفيات اضافة الى تقليص امدادات الكهرباء وخدمات المستشفيات ووصل الامر حتى توقف اجهزة تنقية مياه الصرف الصحي والقاء تلك المياه الملوثة في مياه البحر هذا كله وغيره يتطلب نظرة انسانية ترتفع فوق المعطيات السياسية وتتجاوز ممارسات حماس وايديولوجيتها مهما كانت التحفظات عليها لتتعامل بروح حضارية مع المواطنين الابرياء الذين لا ناقة لهم في الصراع السياسي والعسكري ولا جمل. فلماذا يعاني هؤلاء المواطنون وما هو الذنب الذي جنوه؟ ام ان كل ذنبهم ان قدرهم جعلهم من سكان هذا المستطيل الصغير المكتظ بالبشر والذي يطلق عليه اسم قطاع غزة؟
وهذه الاسرة الدولية التي تنادي بالقيم الاخلاقية وحقوق الانسان لماذا تصمت وتتعامى عما يحدث في غزة هذا في الوقت الذي تفتح اذنيها وعينيها على اي مساس بأي اسرائيلي؟ أليس من العدل ان يتم التعامل مع الفلسطينيين والاسرائيليين بمقياس واحد ومكيال واحد؟ ان هناك ما يشبه الاجماع فلسطينيا على ادانة العنف ايا كان مصدره كما ان الرئيس عباس والسلطة الفلسطينية لم يكفا عن المطالبة بوقف اطلاق الصواريخ محلية الصنع على اسرائيل من غزة وقدمت حماس مبادرة للتهدئة ووقف اطلاق هذه الصواريخ لكن الحكومة الاسرائيلية ترفض قبولها رغم الوساطة المصرية المستمرة.
ولكل الجهات التي تمتلك نفوذا او تأثيرا فيما يختص بالحصار الخانق وغيرالمبرر على قطاع غزة وللحكومة الاسرائيلية والولايات المتحدة والشقيقة الكبرى مصر نداء الشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية التي لم تقصر في بذل الجهود لفك الحصار وفتح المعابر .
ان هذا الحصار يجب ان ينتهي قبل ان تبلغ المعاناة مداها وتحل - لا سمح الله - كارثة انسانية يمكن تجنبها الان، وقبل قوات الاوان.
