بالرغم من استمرار بعض المواجهات أو الاشتباكات الصغيرة والمتفرقة بين أنصار الأكثرية والمعارضة في هذه المنطقة أو تلك من لبنان كردود أفعال وكذيول لما شهدته العاصمة اللبنانية من انفلات أمني وعسكري في الايام الماضية، الا انه يمكن القول بأن الاستجابة الملموسة، سواء من جانب الأغلبية أو من جانب حزب الله لبيان الجيش اللبناني بسحب المسلحين والمظاهر المسلحة من شوارع العاصمة وفتح المجال أمام امكان السير نحو توافق لبناني يشكل في الواقع نقطة مهمة يمكن الانطلاق منها، ليس فقط لتكريس الثقة في مؤسسة الجيش اللبناني التي استطاعت بقدر من الجهد والصبر والمثابرة تجاوز لحظات الانفلات التي جرت واحتواء التوتر بين مؤيد الأكثرية والمعارضة في الأيام الاخيرة.

وبغض النظر عمّا يقوله هذا الفريق أو ذاك، أو يسوقه من اتهامات متبادلة، انحدرت في كثير من الاحيان إلى درجة متدنية من التخاطب بين القوى السياسية اللبنانية، فإنه من المؤكد ان الوقت الآن ليس وقت اللوم أو وضع المسؤولية فيما حدث على عاتق هذا الفريق أو ذاك لسبب بسيط هو انه لا وقت لمثل هذه الأمور وان الأكثر أهمية هو استكمال احتواء الموقف والعودة بالأوضاع في الشارع اللبناني إلى ماكانت عليه قبل السابع من مايو الجاري من أجل طمأنة اللبنانيين لعودة حياتهم الطبيعية وإزالة أية مخاوف بشأن امكان تجدد المواجهات المسلحة مرة اخرى. ثم الانطلاق إلى التعامل مع الموقف عبر خطوات محددة ومتفق عليها للتوصل إلى حلول ملموسة لا تقع في دائرة التسويف عبر جلسات حوار لا تنتهي لأن البعض يريد ان تمتد إلى أطول فترة ممكنة، وإنما تسير مباشرة إلى الأخذ بنقاط التوافق بين الاغلبية والمعارضة وتنفيذها وأولى هذه الخطوات عقد مجلس النواب اللبناني لانتخاب العماد ميشال سليمان قائد الجيش اللبناني الذي يحظى باحترام وموافقة كل الأطراف ليتولى منصب رئيس الجمهورية، ثم تشكيل حكومة وحدة وطبية قوية وفعالة وقادرة على فرض سلطة الدولة على أرضها وعلى كل الاطراف اللبنانية كذلك، تمهيدا للانتخابات العامة القادمة التي ستتم وفق النظام الذي يتفق حوله الفرقاء اللبنانيون في النهاية .

وإذا كانت احداث وتطورات الايام القليلة الماضية قد أثارت الكثير من المخاوف، خاصة على صعيد القوى السياسية اللبنانية أو معظمها والتي رأت احدى القوى تستحوذ على الدولة وتحاول فرض سطوتها عليها ولمصلحتها هي ايضا، وهو ما سيكون له نتائجه بشكل مباشر أو غير مباشر في الفترة القادمة، فإنه من المؤكد وفي ظل الكثير من المعطيات اللبنانية والإقليمية والدولية ان حل الخلافات اللبنانية وان كان يبدأ بالضرورة لبنانيا، الا انه يتطلب بالتأكيد دعما ومشاركة اقليمية ولا سيما من جانب الشقيقة سوريا التي طالما عملت من اجل لبنان، ومن اجل المصالح السورية - اللبنانية المشتركة والمتداخلة، ليس فقط منذ عام 1976 ولكن أيضا قبل ذلك بكثير، هذا فضلا عن القوى الإقليمية والدولية الأخرى المعنية بالوضع في لبنان.

على أية حال فإن الأيام الماضية أثبتت بوضوح انه من السهولة بمكان خلط كل الأوراق وإثارة الاضطراب، غير ان الحكمة والمصلحة اللبنانية والعربية تقول وتؤكد انه من غير الممكن ان تكون للبندقية الكلمة الأخيرة لا في لبنان ولا في حل أي من المشكلات العربية، وان التفاوض والحوار بروح وعقل مفتوحين هو السبيل لإيجاد وصنع وتعزيز الوفاق والتقارب بين القوى السياسية المختلفة في لبنان ومن حوله أيضا. ومن المأمول ان تصب الجهود العربية جميعها، سواء من خلال جامعة الدول العربية أو على الصعيد الثنائي، في هذا الاتجاه حتى لا يكون لبنان وشعبه وقودا لخلافات ومنافسات لا تمت إليه بصلة ولا تعبر عن مصالحه.