نكمل اليوم حديثا بدأناه أمس حول ارتفاع أسعار مواد البناء ومنها الأسمنت، إذ قلنا إن ارتفاع أسعار الاسمنت وتلاعب السماسرة بها لا يصب في صالح الدولة ولا في صالح أفراد المجتمع. وقلنا إنه إذا كانت كبرى شركات التطوير العقاري قد استفادت من الإعفاء الجمركي واستطاعت الاستيراد مباشرة من الخارج، فإن شركات المقاولات الصغيرة لا يمكنها القيام بذلك.
أضف إلى ذلك ان مخاوف بعض مشتري الوحدات العقارية بالإمارات حول تسلم عقاراتهم بموعدها المحدد تزايدت بعد الارتفاعات المتلاحقة التي طرأت على أسعار مواد البناء، مثل الحديد ومواد أخرى كالديزل. لذا فإننا نقول إنه إذا كانت هذه مخاوف المقاولين الصغار والمشترين للعقارات الجاهزة، فكيف نتخيل أوضاع مواطنين يستفيدون من قروض الإسكان أو المنح الحكومية التي يدرك جميعنا عدم قدرتها على مواكبة أسعار البناء؟
ارتفاع أسعار مواد البناء يأتي نتيجة عدة أسباب، منها حجم المشاريع الإنشائية في الدولة، موجة ارتفاع الأسعار العالمية التي تأثرت بها مواد البناء والتكلفة التشغيلية وغيرها من الأسباب، وهو الأمر الذي يفاقم مشكلة الحصول على السكن لذوى الدخل المحدود رغم الجهود التي تبذلها برامج الإسكان لتغطية احتياجهم.
السيطرة على ارتفاع أسعار أي سلع وان كانت للبناء ليس بالأمر المستحيل طالما وجدت الحلول والبدائل، لكن الحلول والبدائل بحاجة لمن يبحث عنها ويحسن استخدامها بدل الاكتفاء بمشاهدة ومراقبة المتغيرات السعرية الطارئة على قطاع البناء والمتجهة نحو الغلاء دون توقف، ومن هذه البدائل والحلول مراقبة الأسواق وضبط المتلاعبين بالأسعار، وتهدئة الإعلان عن مزيد من المشاريع العقارية، وإعادة النظر في قيمة القروض السكنية الحكومية التي أصبحت حقيقة عاجزة عن بناء أنصاف مساكن، خاصة وان ارتفاع أسعار مواد البناء الأساسية كان حجة لرفع أسعار مواد أخرى يحتاجها كل منزل.
إذا كانت الإمارات تضم اليوم شبابا مواطنين مازال عدد غير يسير منهم ينتظر منذ عشر سنوات وأكثر الحصول على مسكن شعبي أو قرض، وإذا كان هؤلاء الشباب أنفسهم عاجزين عن الإقامة في مساكن بالإيجار لارتفاع تكلفتها، فلنعلم ان عددا كبيرا منهم أصبح قلقا من اللحظة التي يعلن فيها عن اسمه بين قوائم المستفيدين من البرامج الحكومية السكنية، وقلقه مشروع حيث يتساءل: كيف سأبني منزلي وسط هذا الغلاء الذي لا يرحم، بدءا بمواد البناء وانتهاء بتكاليف المقاولين؟
وزارة الاقتصاد معنية بضبط أسعار مواد البناء ما استطاعت إلى ذلك سبيلا كما فعلت مع المواد الغذائية والاستهلاكية لأن المواطنين سواء كانوا أصحاب شركات مقاولات صغيرة، أو أصحاب فلل ومنازل لا يمكنهم تحمل هذا الغلاء ومواجهته.
كما أن البرامج الحكومية معنية بدراسة قيمة القروض التي تقدمها للمواطنين والتي ينبغي ان تغنيهم عن الاقتراض مرة أخرى من البنوك لان الغرض من مساعدة الحكومة رفع الأعباء عن كاهل مواطنيها وليس تقييدهم بقروض أخرى تترتب عليها فوائد بنكية عالية ولسنوات طويلة. هذا ما نأمله وما نرجوه نصرة للمواطنين الذين لا يمكن لأي منهم التخلي عن حقه وحلمه في مسكن مستقل في دولة أصبح الأجنبي قادرا على التملك فيها والبيع والشراء وتكوين الثروات من العقار، في حين يلهث المواطن خلف قطعة ارض أو منحة أو قرض بحثا لتوفير سكن يستره وأسرته.
