هناك شخصيات لا يمكن نسيانها. ذكراهم تمتد إلى ما بعد مماتهم. فهم أكبر من الحياة. أحد هؤلاء الأشخاص هو القائد العسكري البارز بي تي كولينز، الذي عاد اسمه بقوة إلى مسرح الأحداث مؤخرا بعد الإعلان عن صدور كتاب جديد يتناول سيرة حياته.
الكتاب يحمل عنوان «البطل المغوار: قصة بي تي كولينز». الكتاب ألفته شقيقة بي تي الكبرى مورين كولينز حبا في أخيها، حيث كانت تؤمن بأن ذكرى بي تي لا يجب أن تظل مع الذين يحبونه فقط وإنما يجب أن يصل حبه إلى عدد أكبر من الناس.
لقد زارني بي تي ذات مرة في مكتبي في مجلة «يو إس نيوز أند ورلد ريبورت» بعد أن كنت قد انتهيت من كتابة موضوع غلاف المجلة في خريف عام 1990 وبالتحديد في الذكرى الخامسة والعشرين للمعارك الملحمية بين الجنود الأميركيين والفيتناميين في وادي أيا درانج في فيتنام الجنوبية. كان يضع خطافا من الصلب بدلا من يده إلى جانب قدم بلاستيكية لتعويض الإصابات التي كانت نتاج مشاركته في حرب فيتنام.
أثناء فترة خدمته الأولى في فيتنام، كان بي تي يعمل مراقب مدفعية وذلك قبل أن يعمل ضمن إحدى فرق الفيلق الثالث مشاة الذي كان يقوده الكولونيل هال مور. وكان هو على علاقة وثيقة بهال مور وبضباط آخرين ممن حاربوا في معارك أيا درانج. لقد كان كولينز أيضا شخصية سياسية معروفة في كاليفورنيا، فقد كان من الجمهوريين المحافظين وتولى منصب رئيس طاقم موظفي الحاكم جيري براون.
وقد اختاره أيضا حاكم محافظ آخر لولاية كاليفورنيا وهو بيت ويلسون لإدارة هيئة عدالة الأحداث والمراهقين وبعد ذلك شجعه على الترشح للهيئة التشريعية في الولاية. وقد كان الشخص الأنشط في الحملة الخاصة بجمع تبرعات لبناء النصب الجمهوري لإحياء ذكرى قدامى حرب فيتنام في كاليفورنيا. وتولى الدفاع عن قضايا النساء اللواتي فقدن بعولتهن في حرب فيتنام.
وقد كتب سيرة ذاتيه مؤثرة عن قائد فرقته الكابتن سام بيرد الذي فقد نظره أثناء حرب فيتنام. لقد كان بي تي دوما يتحدث إلى قدامى حرب فيتنام، ويقول لهم: «لا للدموع، لا للسخط على الأقدار». «نحن محظوظون لأننا على قيد الحياة. فهناك من هم أفضل منا ممن ضحوا بحياتهم النفيسة من أجلنا. نحن ندين لهم بالفضل لأننا مازلنا على قيد الحياة، ولا نزال نعمل كي نجعل من هذا العالم مكانا أفضل للعيش. فنحن عشنا وهم ماتوا. فلا للبكاء والعويل».
وفي اليوم الذي خرج فيه من المستشفى بعد 18 شهراً قضاها في ألم وعمليات جراحية لا تعد ولا تحصى، تم استدعاؤه لمقابلة في البنتاغون، حيث ذهب إلى هناك بقدمه البلاستيكية. وعندما دخل مكتب رئيس المهمات في وزارة الدفاع وجد عددا كبيرا من الضباط الذي لم يكن ضمنهم أي شخص يحمل أي نياشين أو علامات تدل على مشاركته في الخدمة العسكرية.
وأثناء المقابلة طلب بي تي أن يخدم في سايجون. فنزل الطلب كالصدمة على مسامع نصف الموجودين في البنتاغون وقتها، وما كان منهم إلا أن قالوا: «يا إلهي، لا يمكنك أن تكون جادا يا رجل. لقد خدمت بالفعل في الحرب». فأجاب بي تي: «نعم أعلم أنني لا أستطيع الذهاب إلى ساحة القتال بحالتي هذه. ولكن يمكنني تولي وظيفة مكتبية وأطلب من الرجال الأصحاء الذهاب إلى أرض المعركة».
ثم أدار ظهره إليهم وخرج من الباب الذي دخل منه. لقد فعل ما جاء من أجله. الخزي والعار على هؤلاء الذين يكتفون بالورقة والقلم في حين هناك آخرون من أمثال سام بيرد يقاتلون ويعانون. لقد مات كولينز في 19 مارس 1993. فقد قيل إنه كان يعاني متاعب قلبية، وهم على حق. لقد كان قلبه كبيرا ولكنه كان ممتلئا عن آخره بالمشاعر والعواطف الجياشة تجاه معاناة وحزن أصدقائه الذين لم يستطعوا العودة إلى أوطانهم سالمين.
عندما مات هرعت للتو لأفتش في أوراقي عن قصاصات بخط يده الذي يصعب فك شفرته، وكنت متأكدا أنني سأجد الكثير منها، وبالفعل وجدت بعضا منها تحمل ذكرياته عن حرب فيتنام، والتي استفدت منها في وضع كتابي الجديد عن معارك أيا درانج على الرغم من أنني كنت أجد صعوبة كبيرة في قراءة ما أكتبه بسبب الدموع التي كانت تنهمر من عيني، وأنا أتذكر تلك الشخصية العظيمة.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» - خاص ل: «البيان»