هناك حقيقة بسيطة وبديهية لكنها أساسية، تقول: إن أي مجتمع يتساهل ويقبل بسلاح خارج إطار الدولة الشرعية فإن هذا السلاح سينقلب عليه إن عاجلاً أو آجلاً، وما هو حاصل اليوم في الساحة اللبنانية على يد «حزب الله» يؤكد هذه الحقيقة، لقد تسامح المجتمع اللبناني مع سلاح حزب الله تحت دعاوى «المقاومة» ضد إسرائيل و«حماية» لبنان وقبل العرب ـ شعوباً وحكومات ـ بهذا الوضع الاستثنائي بل وساندوا «حزب الله» سياسياً وإعلامياً على امتداد السنوات السابقة وحتى الآن.

وبعضهم اعتبر السيد نصر الله هو صلاح الدين الجديد الذي سيحرر فلسطين، وحتى عندما قام السيد نصر الله بمغامرة «غير المحسوبة» وجر الخراب والدمار على لبنان واعتبر ذلك نصراً «الهياً» صرفه قطاع عريض من الجماهير العربية.

وقامت وسائل إعلام عربية في العديد من الدول بترويج هذا النصر الإلهي، وحذرت من المساس بسلاح حزب الله وجعلته خطاً أحمر بل إن العديد، من وسائل الإعلام العربية اتهمت من ينتقد «حزب الله» عميلاً يخدم مصالح إسرائيل وأميركا، وها هو هذا السلاح «المقدس» يحرق بيروت اليوم ويقتل الأبرياء ويحاصر الشرفاء ويسيل الدماء!!

ها هو السلاح «المقدس» يرهب ويرعب مجتمعه وشعبه وحكومته ودولته لصالح قوى إقليمية كبيرة ولخدمة مشاريعها وأجندتها لقد حذرنا كما حذر العقلاء من قبل وطالبنا بتحجيم هذا السلاح وإخضاعه لسلطة الدولة الشرعية لأن وجود السلاح وبهذه الكثافة في أيدي أية جماعة سياسية يجعلها تمارس سلطة تنافس السلطة الشرعية بل وتتجاوزها.

هذه بديهية معروفة لدى كافة شعوب الأرض إلا العرب الذين تسامحوا مع وجود هذا السلاح بأيدي فصائل أو جماعات تدعي (الجهاد) و(المقاومة)، وهكذا تم التغاضي عن سلاح الفصائل الفلسطينية الجهادية فاستولت (حماس) على غزة وانقلبت على السلطة الشرعية، وفي الصومال حاولت ميليشيات (المحاكم) وابتلاع الدولة حتى تصدت لها السلطة الرسمية وبدعم خارجي أمكن هزيمتها لتلوذ بالفرار وتقوم بحرب عصابات اليوم.

وعندما تغاضت اليمن عن سلاح الحوثيين ذاقت الأمرين، وفي العراق تحصن الصدر بميليشياته المسلحة بحجة مقاومة (المحتل) الأميركي لكنها تحولت في النهاية إلى عمليات السلب والنهب والقرصنة وفرض الإتاوات والخطف والقتل والتهديد وبدأت برفع السلاح بوجه السلطة الشرعية وتحولت إلى كابوس على صدر العراقيين في الجنوب.

حتى تصدت لها السلطة الشرعية في عمليات (صولة الفرسان)، ميلشيات الصدر أو جيش المهدي كانت مرتبطة بالخارج وتحركها الأيادي الخارجية تماماً مثل (حزب الله) و(الجهاد) الفلسطيني، وفي أفغانستان أفرز الوضع المضطرب (طالبان) التي لقيت دعماً وتأييداً من باكستان فاستولت على السلطة وجثمت على صدور الأفغان خمس سنوات عجاف وكانت خطيئتها الكبرى استضافتها للقاعدة.

وزعيمها الذي فتح معسكرات لتدريب المجاهدين الذين توافدوا عليها من سائر أنحاء العالم الإسلامي ليجندهم وقوداً في غزواته التاريخية لأميركا حيث ضرب رمزي الشموخ الأميركي، الأمر الذي جعل المارد الأميركي ينطلق من قمقمه ليزلزل الأرض تحت طالبان وضيوفه ويشردهم إلى شعاب جبال (تورا بورا) والمناطق النائية في (وزيرستان).

و(لبنان) اليوم (ضحية) واللبنانيون أصبحوا (رهائن) لدى حزب الله بسبب (سكوت) اللبنانيين على سلاح حزب الله (وتردد) العرب في مواجهة ما يحصل اليوم في لبنان هو مظهر من مظاهر (العجز) العربي و(ضعف) النظام العربي ولولا هذا العجز وذاك الضعف ما استطاعت القوى الإقليمية أن تتغلغل في العمق العربي ويتمدد في الجسد العربي العليل نصرالله الذي شعر معظم العرب في وقت ما أنه صلاح الدين يُبعث من جديد.

وأصبح لعبة في أيدي مصالح خارجية وحجر عثرة أمام لمّ شمل لبنان بعد أن فقد استقلاليته وبات في انتظار التعليمات ولم تنفعه خطبه النارية، وظهر على حقيقته طامعاً في فرض إرادة الآخرين على مصير لبنان من دون أن يدري أين المخرج؟ بعد أن تعطلت الحياة في لبنان.. ولكن ماذا بعد هذا؟

لقد أصبحت واضحة اليوم أهداف النفوذ الإقليمي في المنطقة عامة وفي لبنان خاصة عبر حزب الله الذي أصبح دولة فوق الدولة وسلطة أقوى من السلطة الشرعية. لبنان اليوم في محنة عظيمة، وحزب الله انقلب على السلطة الشرعية وهو مطمئن للدعم الإيراني المالي والسياسي والأمني والحكومة اللبنانية تستنجد بالعرب وبالمجتمع الدولي.

لبنان عضو في الجامعة وهي مشتركة في اتفاقية الدفاع العربي المشترك، فهل يستطيع العرب إنقاذ لبنان ودعم حكومته الشرعية وإلزام الانقلابيين احترام النظام والسيادة والشرعية أم يستمرون كعادتهم في الانقسام كما حصل في محنة الكويت حتى يتدخل المجتمع الدولي لحسم الأمر؟

الدعم الخارجي جعل من حزب الله وصياً على لبنان، وفوضه امتلاك السلاح والصواريخ خارج إطار الشرعية وحوَّل لبنان إلى ساحة حرب مشتعلة. فإلى متى يسكت العرب على هذا الوضع الخطر؟! «المقاومة» حق مشروع وطني وقومي وديني، ولكن عندما تنقلب المقاومة على مجتمعها ودولتها تصبح «بؤرة» فاسدة يجب استئصالها وإلا دمرت الجسد كله، هذه هي الحال في لبنان والعراق وغزة والصومال الآن.

ما هي الدروس المستفادة من محنة لبنان؟ شعوب كثيرة مرّت بصراعات وحروب أهلية لكنها تعلمت من تجاربها وتجاوزت أخطاءها، لكننا ما زلنا نكرر نفس الأخطاء ونُلدغ من الجحر نفسه مرات ومرات كما قال المرحوم د. أحمد الربعي.

إن أهم الدروس أنه لا سلاح شرعياً غير سلاح الدولة مهما كانت المبررات، والتاريخ يعلمنا أن من يتسامح ويمنح الشرعية لسلاح خارج إطار السلطة الرسمية فإن هذا السلاح سينقلب على مجتمعه ويغتصب السلطة ويدمِّر شرعية الدولة ويقوِّض وحدتها الوطنية. هذا قانون حديدي طبيعي يسري على المجتمعات كافة.

أما الدرس الثاني فهو أنه على امتداد 50 عاماً باسم «المقاومة» ومحاربة إسرائيل وتحرير فلسطين، سقطت أنظمة وتمت انقلابات ونشأت جماعات وأهدرت ثروات العرب كلها وتعطلت مشاريع التنمية لأنه لا صوت يعلو على صوت المعركة.

وها هي إسرائيل اليوم في الذكرى الستين على تأسيسها أكثر قوة وأمناً ويكفي أن تشاهد مسلك خصميها الأكثر ادّعاءً ورفعاً لشعار «المقاومة» حزب الله وحماس لتأكيد هذه الحقيقة، لقد تحوّل سلاحيهما إلى الداخل وسقطت شرعية سلاح المقاومة، وكما يقول الزايدي: «المقاومة حينما ترتبط بتصور انقلابي على المجتمع والدولة تصبح مقاومة للحياة لا من أجلها، وليس مفيداً أن نجدع أنوفنا بسكين المقاومة». فهل ننقذ لبنان قبل الضياع؟

كاتب قطري