لم أفاجأ بما حدث في بيروت فقد كانت كل المقدمات تشير إلى هذا الحصاد المر، والأهم في المواجهة التي لا يدري إلا الله مداها ليس نفوذ هذا الطرف الإقليمي أو ذاك بل الارتداد اللبناني إلى رصاص السياسة وسياسات الرصاص تلك التي تفاءلنا طويلاً بأن لبنان طوى صفحتها إلى غير رجعة، فإذا بها تبعث من جديد كما تخرج العنقاء في الأسطورة.

والاحتكام إلى القوة في شؤون الاجتماع الإنساني عوضاً عن التراضي واحترام الإجراءات ارتداد إلى الخلف فكراً وممارسة، وبإمكان المعارضة اللبنانية أن تسوق ما تشاء من الحجج لتبرير هذا التحول النوعي الخطير، لكنها لا يمكن أن تفسر لنا أبداً مغزى إحجام قوى الرابع عشر من آذار عن استخدام القوة أو الاستعانة بقوة خارجية لمواجهة هذا الموقف الذي كانت الشواهد تشير إليه منذ فترة غير قصيرة ولو كانت القضية.

كما رددت المعارضة دائماً قضية خيانة وعمالة على النحو الذي تكرر كثيراً في خطابها السياسي لكان للسلطة منطق آخر وبخاصة أن شبح التدويل لم يكن بعيداً وإمكان مغازلة هذا الطرف أو ذاك على الساحة الدولية لم يكن مستحيلاً. وعليه فإن من امتنع عن العودة إلى سياسات الرصاص لم يكن عاجزاً عن العودة إليها ولامتناعه مردود سياسي سوف تجنيه الحكومة إن عاجلاً أو آجلاً.

والقضية هنا ليست قضية الانحياز إلى الأجندة السياسية للسلطة أو رفضها بل هي تقدير «الكلفة» السياسية والأخلاقية لقرار المعارضة اللبنانية اللجوء إلى «فرض الأمر الواقع»، ومفترق الطريق الذي تقف أمامه لبنان الآن ليس استمرار التركيبة السياسية الراهنة أولاً بل أن يبقى لبنان أو يتحول إلى دولة شمولية مغلقة وهنا سوف تصبح التركيبة السياسية في حالة صراع جذري مع التركيبة السكانية.

فلبنان لا يكون متوافقا ومتصالحا مع تعدديته ما لم تثمر هذه التعددية عن التوصل إلى «نقطة تراضٍ» حول دور لبنان وأهداف الوطنية اللبنانية، وهنا مربط الفرس. فعندما يتحوَّل سلاح حزب الله من موضع إجماع إلى محرك رئيسي للنزاع فإن كل الاتهامات التي توجه للسلطة بالعمالة وتبني أجندة أجنبية لن تفلح في إعادته ليكون موضع إجماع، ولا تكون الوطنية خطوطاً حمراء لا يجوز الاقتراب منها إلا في حالتين: تحويل الوطنية إلى دين أو الخضوع لديكتاتورية الأقلية، وكلا الخيارين مرير مرير مرير.

ولأن استدعاء الرصاص إلى ساحة السياسة تعبير عن حالة توتر، فإن من يتخذ هذا القرار يكون شديد الاستهانة بالمخاطر حتى لو كانت ماثلة للعيان، وهناك أطراف كثيرة على الساحة اللبنانية لن تنسى لحزب الله أبداً لجوءه إلى هذا الخيار لأنه بهذا، أولاً، جعل سلاح حزب الله فوق الدولة اللبنانية وفوق الإرادة اللبنانية وفوق الإنسان اللبناني، ومحا ـ قصد أو لم يقصد ـ الحد الفاصل بين الوطن وساحة القتال. وبالتالي يتحمل القدر الأكبر من المسؤولية عن الحرب الأهلية التي تبدو أقرب الاحتمالات إلى التحقق.

وسياسات الرصاص كابوس ثقيل الوطأة على من ينفذها وعلى من يقع ضحيتها بالقدر نفسه، فليس بإمكانك أن تسلِّح رجلاً وتطلب منه فرض الأمر الواقع ما لم يكن مستثاراً بدوافع عدة، في مقدمتها أن تكون لديه مشاعر سلبية إزاء من يوجه إليهم فوهة بندقيته، فهل يمكن أن تزول هذه المشاعر من نفوس مسلحي حزب الله إذا انتهت الأزمة.

وطبعاً لا تبدو الأزمة مقبلة على نهاية قريبة. وكذلك الحال بالنسبة للمشاعر التي يتركها هذا الخيار في نفوس من يكونون «ضحية له». والاهتمام بالمشاعر في السياسة ليس ترفاً، فالمحرك الأكبر للصراع المسلح في التاريخ الإنساني هو «الحقد»، فهل يتصوّر من اتخذ قرار السيطرة العسكرية على بيروت قدر الخسارة الإنسانية التي مُني بها فريق المعارضة في الشارع اللبناني؟

وعندما تستدعي سياسات الرصاص منطقها فإن على من استدعاها أن يكون مستعداً لدفع الفاتورة، وحتى لو افترضنا مجرد افتراض أن ما يدافع عنه فريق المعارضة يستحق التضحية فإن هذا يعني في المنطق السوي أن يكون أصحاب الخيار مستعدين للتضحية في سبيل هدفهم بشيء يملكونه أو حتى في الحد الأقصى، أن يكونوا مستعدين للتضحية في سبيل قناعاتهم بحياتهم، أما أن يكون أصحاب القناعات الجديرة بالتقدير أو حتى التقديس مستعدين للتضحية بالآخرين فهذا هو الخطير!

وعندما يقرر من يستدعي سياسات الرصاص أن يجعلها سيد الموقف فإنه على الأرجح لا يحفل بصورته أمام الآخرين، ولا يحفل بسقوط ضحايا أبرياء إذ يصبح الاهتمام بهم نوعاً من الترف لا تحتمله الخشونة التي تتسم بها حتماً سياسات الرصاص، وهو عندما يقرر إزالة الحد الفاصل بين الوطن وساحة القتال لا يشعر بأي إحساس عندما يرى معاناة الناس ولا يشعر بالذين تتحوَّل بيوتهم وشوارعهم ومدارسهم و... إلى ساحات حرب بجرَّة قلم.

إن للرصاص منطقه وللإكراه ضريبته وللقسوة ثمرتها المرة التي تنضج غير مرتبطة بأي نوايا حسنة يمكن أن يكون صاحب الخيار قد صدر عنها في سلوكه، والرسول صلى الله عليه وسلم غضب لأن بعض الصحابة في غزوة من الغزوات قتلوا بعضاً من أطفال الكفار، وعندما حاولوا الاعتذار بقولهم: «إنما هم أبناء الكفار» قال صلى الله عليه وسلم: «أوَليس خياركم أبناء الكفار؟».

وهذا الحرص من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على إغلاق أي باب لتبرير سفك الدماء المعصومة حتى لو كان تحت راية الجهاد، وحتى لو كان بسيوف الصحابة، وحتى لو كان الدم المسفوك دم الكفار، فإن هذا يشكِّل معياراً ملزماً لكل من يعلن أنه يتأسى بالرسول صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم يحذِّر المؤمنين تحذيراً شديداً من ذلك، لأن من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فـ «كأنما قتل الناس جميعاً».

لكنها سياسات الرصاص!

كاتب مصري