هل نحن شعب مرفه إلى الدرجة التي يحق معها للشعوب الأخرى أن تحسدنا على الرفاهية التي ننعم بها، وتتصور أننا لا نعاني من أي مشاكل تجاه متطلبات الحياة الأساسية بل والكمالية أيضا، وأننا وصلنا إلى حد التخمة؟
يبدو أن أسماء وصور مليونيرات الإمارات التي تتصدر قوائم مجلة «فوربيس» الاقتصادية الشهيرة تحجب خلفها صورة أخرى مغايرة يعكسها حجم القروض الشخصية التي ارتفعت في الإمارات خلال الشهور الثلاثة الأولى من العام الجاري لتصل إلى 4. 48 مليار درهم في نهاية شهر مارس مقارنة مع 46. 43 مليار درهم في الربع الأخير من العام الماضي، بنسبة نمو بلغت 3. 11% وفق ما جاء في الإحصائيات الصادرة عن مصرف الإمارات المركزي.
في حين توقع مصرفيون ومحللون ماليون أن يرتفع حجم القروض الشخصية العام الحالي، الأمر الذي سيؤثر سلبا على معدلات التضخم في الدولة. هل ترانا نبالغ لو قلنا إن هذه القروض أصبحت قنبلة موقوتة أخرى تهدد أمن واستقرار وطننا الاجتماعي لأنها تمس حياة عدد كبير من الأفراد والأسر المواطنة على وجه الخصوص؟
يجيب على سؤالنا هذا تقرير اللجنة المؤقتة التي شكلها المجلس الوطني الاتحادي في جلسته التاسعة المنعقدة بتاريخ 19/ 6/ 2007 لدراسة موضوع «مشكلة القروض الشخصية» برئاسة أحمد بن شبيب الظاهري النائب الأول لرئيس المجلس.
وبمشاركة عدة وزارات حكومية ومصرف الإمارات المركزي وممثلين لعدد من المصارف الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني، وقدمت تقريرها للجلسة المنعقدة بتاريخ 22/ 4/ 2008 التي وافقت على التوصيات الواردة في التقرير بعد إدخال بعض التعديلات والإضافات عليها من قبل الأعضاء.
يقول التقرير إن حجم القروض قد ارتفع من(2. 155 مليار درهم) في عام 2000 إلى(695 مليار درهم) مع نهاية شهر ديسمبر عام 2007، وأن هناك ما يقارب(10 آلاف شخص) في المحاكم والسجون من جراء التعثر في السداد.
وان حالات التعثر في السداد قد ارتفعت من (3149 حالة) في عام 1998 إلى (5710 حالة) في نهاية عام 2006 من أصل (562 ألف قرض) بالإضافة إلى نمو القروض الشخصية لتصل إلى (43 مليار درهم) في نهاية شهر ديسمبر 2007 بلغت نسبة التعثر فيها (5. 3%).
لماذا وكيف حدث هذا؟
يُرجِع تقرير اللجنة ما حدث إلى توسع المصارف والمؤسسات المالية في منح التسهيلات الائتمانية دون وجود ضمانات كافية لمركز العميل وقدرته على السداد، ويشير إلى ضعف الجهاز الرقابي للمصرف المركزي في الكشف عن مخالفات البنوك المتعلقة بتقديم القروض للأفراد، ويتحدث عن تزايد ضغوط الحياة المعيشية مثل ارتفاع السلع والخدمات.
وعدم تناسب الرواتب مع معدلات التضخم التي بلغت في عام 2006 حوالي (3. 9%) ومحدودية دور الدعم الحكومي للسلع الغذائية، وانتشار البطالة، وضعف أداء برنامج الإسكان الحكومي، وارتفاع أسعار مواد البناء، وضعف القيمة الشرائية للدولار الأميركي، واضطراب أسواق المال بالدولة. ولا يغفل التقرير ضعف دور الإعلام في توعية المواطنين بالنتائج المترتبة على القروض، وخاصة في توجيهها للاستخدامات الفعلية.
هل يمكن أن يتصور أحد أن يحدث هذا في مجتمع الإمارات الذي يعتقد الجميع أنه قد وصل إلى مستوى من الرفاهية لا يمكن معه أن يعاني أفراده من ضغوط معيشية، ولا ارتفاع في أسعار السلع والخدمات يرهق كاهل مواطنيه والمقيمين فيه، ولا بطالة بين أبنائه، ولا مشاكل من ذلك النوع الذي تعاني منه المجتمعات ذات الدخول المتدنية والاقتصاديات الضعيفة؟!
ربما تبدو الإجابة المنطقية هي لا، لكن تقرير «اللجنة المؤقتة لموضوع القروض الشخصية» يؤكد ذلك، ويخلص إلى أن زيادة مشكلة القروض الشخصية وما يصاحبها من تبعات ستفرز نتائج سلبية على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
حيث أن انخفاض الدخل المادي وما ينتج عنه من عدم قدرة المقترض على الالتزام بأعباء معيشته سيزيد من تعميق الخلافات الأسرية، أو الملاحقة القضائية للشخص المدين، أو حبسه في حال عجزه عن السداد، مما سيؤدي إلى تشتت أفراد أسرته وما يصاحب ذلك من أمراض اجتماعية خطيرة.
هذه الأبعاد الاجتماعية لمشكلة القروض الشخصية، بالإضافة إلى الأبعاد الاقتصادية والأمنية التي أوردتها الدراسة تفرض علينا النظر إليها بالجدية التي يقتضيها الأمر. صحيح أن للنمط الاستهلاكي الشائع في مجتمع الإمارات دورا في نشوء هذه المشكلة وتناميها.
لكن هذا ليس هو السبب الوحيد، خاصة بعد أن تجاوزنا مرحلة الطفرة وبدت في الأفق أزمة يتعرض لها كثير من المواطنين غالبيتهم من فئة الشباب الذين يبدأون حياتهم بالاقتراض للوفاء بالتزاماتهم المتعلقة بالزواج وتوفير المسكن لأسرهم، والتعليم لأبنائهم، والظروف المناسبة للحياة في بلد يُعَدّ مواطنوه من ذوي الدخول المرتفعة بين شعوب الأرض.
نحن لا نبرئ النمط الاستهلاكي من التهمة، لكننا لا نستطيع أن نلقي على هذا العامل وحده العبء كله، فرغم أنه يوجد بيننا من يدفعه هذا النمط إلى الاقتراض، إلا أننا نعتقد أن هذه الموجة قد تراجعت كثيرا نتيجة لانتشار الوعي بضرر هذا السلوك وتبعاته الجسيمة على الفرد والمجتمع، ونتيجة العجز عن توفير متطلبات الحياة الأساسية قبل الكمالية، لذلك أصبحت الدوافع إلى الاقتراض مختلفة.
فالدخول لم تعد كافية في ظل انحسار حالة الانكماش وتنامي حالة التضخم التي يعيشها مجتمع الإمارات وانخفاض القيمة الشرائية للدرهم، ولو تأتى إجراء دراسة على نوعية القروض الشخصية في وقتنا الحاضر لوجدنا أغلبها يذهب لتوفير متطلبات أساسية في الحياة، يأتي على رأسها المسكن.
حيث إن ضآلة القروض والمنح التي تقدمها برامج الإسكان في الدولة بالنظر إلى كلفة البناء التي تسجل كل يوم ارتفاعا جديدا تضطر المواطنين إلى الاستدانة من البنوك للتمكن من توفير المسكن الملائم لهم ولأبنائهم، مما يضطرهم إلى تحمل تبعات هذه القروض سنوات تمتد إلى ما بعد وصولهم سن التقاعد.
حتى قرض السيارة الذي يعدّه البعض نموذجا للنمط الاستهلاكي الذي تُوّجه إليه أصابع الاتهام لم يعد تهمة لا يمكن دفعها، فمن قال إن السيارة لم تعد ضرورة في عصرنا هذا وليست سلعة كمالية كما يرى البعض؟
القروض الشخصية التي أصبحت تثقل كاهل عدد كبير من مواطني الإمارات قنبلة يجب نزع فتيلها قبل أن تنفجر، ربما نجد بعض حلول مشكلتها في توصيات اللجنة التي شكلها المجلس الوطني الاتحادي، لكن حلها الجذري يحتاج إلى إعادة النظر في كثير من القوانين والأدوار والمفاهيم، وهو قبل هذا كله يحتاج إلى قرار من أصحاب القرار قبل أن نتحول جميعا إلى شعب مديون موزع بين المحاكم والسجون
كاتب إماراتي