عندما لا يضرب المرء بسيفه ويعتمد كليا على سيوف الغير، فإنه غالبا ما يبالغ في تقدير قوة من يعتمد عليهم وفي تقدير حجم الثقة بينه وبين أصحاب تلك السيوف مضطرا لا بطلا بعد أن يكون قد وضع كل ما يملك من بيض في سلتهم، الأمر الذي يجعل المراهنة على ذلك الغير مراهنة مطلقة غبية إن تلاشت دعائمها تلاشت معها كل مقومات وجود الطرف التابع والضعيف صاحب الرهان الخاسر.
لإثبات هذه الأطروحة النظرية، سنكتفي في هذه العجالة بسوق نموذجين حديثي العهد يشهدهما العالم العربي في هذه الأيام وستظل نتائجهما تلقي بظلالها على المنطقة والعالم لفترة طويلة من الزمن وستؤسس لمرحلة سياسية كاملة وقائمة بذاتها لها عناوينها ومضامينها الخاصة التي ستدمغ المشهد السياسي برمته في هذا المكان من العالم الذي يغص بنكبات متلاحقة منذ زرع فيه ذلك الكيان السرطاني في أرض فلسطين والذي لا يتغذى إلا على الكوارث والمآسي.
نموذجان أو بالأحرى مثالان على نموذج سياسي جديد واحد يبدو أن القوى الاستعمارية الجديدة باتت تعتمده وتعتمد عليه على نطاق واسع في مناطق نفوذها حول العالم عندما تشعر أن الحبل راح يضيق حول رقابها. وهو نموذج يفتقر إلى أي نوع من القيم الإنسانية فضلا عن انعدام الأخلاق فيه، لأنه يعتمد على أسلوب حرق الحلفاء والأصدقاء واستخدامهم بصورة دنيئة كسلاح أخير عندما تفرغ جعبتهم من أي أسلحة أخرى.
حدث ذلك في قطاع غزة عندما قامت واشنطن وتل أبيب بتسليح وتجهيز طرف فلسطيني بقيادة دحلان وأوكلت إليه مهمة الانقضاض على نتائج ما أفضت إليه (ديمقراطيتهم) في أراضي السلطة الفلسطينية والتي أتت بقوة لا يرضون عنها إلى سدة الحكومة والبرلمان الفلسطينيين.
حدث ذلك على الرغم من إدراكهم لحقيقة وواقع ميزان القوى الداخلي على الساحة الفلسطينية الذي يرجح كفة القوى التي لا تزال ترفع راية المقاومة ضد المشروع الاستعماري الصهيو- أميركي في المنطقة والتي تتقدمها حركة حماس، التي تمكنت قواها الأمنية من اكتشاف المخطط وهو في مهده ووجهت له ضربة قاضية لن تقوم له قائمة بعدها.
الأمر الذي نجم عنه واقع سياسي جديد أحدث شرخا داخليا عميقا لم تعهده الساحة الفلسطينية من قبل لا سيما وأنه طال هذه المرة الخارطة الجيوسياسية الفلسطينية ووضع القضية الفلسطينية برمتها أمام مجهول لا أحد يعرف متى سيشق بصيص النور طريقه إليه.
يحدث ذلك هذه الأيام في لبنان بعد أن قبلت قوى ما يطلق عليه الموالاة باملاءات واشنطن وأصدرت السراي الكبير في بيروت قراريها التاريخيين الشهيرين المتعلقين بملاحقة شبكة الاتصالات السلكية التابعة لحزب الله وتجريد العميد شقير من مهامه الأمنية في مطار الشهيد رفيق الحريري.
على الرغم من الاتفاق غير المعلن المبرم بين سائر القوى اللبنانية حول عدم إقدام الحكومة اللبنانية على اتخاذ أي قرار إجرائي قبل التوصل إلى حل توافقي للأزمة الرئاسية والحكومية القائمة منذ عام 2005 في لبنان، لكنهم لم يتمكنوا من رؤية أبعاد هذين القرارين وتبعاتهما التي تذهب إلى ما هو أبعد مما يتضمنه كل منهما بكثير.
على الرغم من أهمية شبكة حزب الله السلكية من الناحية الأمنية وما تضمنه من مناعة لخططه وتحركاته، إلا أن هدف الولايات المتحدة من دفع الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ هذين القرارين الخطيرين لا يتوقف عند الأهداف العسكرية الأمنية المباشرة المتعلقة بفتح النار بقوة أكبر على حركة المقاومة في لبنان وتوسيع رقعة الاشتباك معها ومع حلفائها في المنطقة.
ذلك أن واشنطن تعتقد إن الطريق إلى بغداد يمر بجميع عواصم المنطقة وعلى رأسها بيروت طبعا وذلك ناجم عن التحالف المتين الذي يضم كلا من إيران وسوريا وحركة حماس وحزب الله. وهو تحالف لا ندري لماذا يخجل البعض منه وينكر وجوده أحيانا؟ أو لماذا تعتبره بعض الأطراف في المنطقة تهمة يجب التنصل منها؟
ذلك أن المنطقة تعيش حالة صراع محتدمة منذ ستين عاما وهو الصراع العربي- الصهيوني وبالتالي فإنه من حق أطرافه المختلفة أن تنسج تحالفاتها وفق مصالحها الوطنية والقومية وهذا أمر طبيعي. أما الحديث عن مخاوف دينية أو مذهبية على غرار ما يتشدق به كثيرون حول أطماع هذه الديانة أو ذلك المذهب ومحاولته وضع هذه القضية على رأس سلم الأولويات في المنطقة.
فإنه حديث موارب لا يمت بواقع الصراع الدائر على الأرض بأي صلة. تلك محاولة فاشلة لن يكتب لها النجاح لحرف مسار الأحداث في المنطقة عن مسارها السياسي الوطني الحقيقي ووضعها على سكة الصراع الديني والمذهبي الأعمى.
فالمعروف أن مشكلات العالم العربي ناجمة عن ظاهرة واحدة عنوانها الاحتلال أو مجموع الاحتلالات التي يرزح تحتها أكثر من بلد عربي بدءا من فلسطين ومرورا بالعراق والصومال وليس انتهاء بحالات الاحتلال أو الاستعمار غير المباشر لعدد لا يستهان به من البلدان العربية.