لبنان في غرفة العناية الفائقة. التدهور الذي أصابه، في الأيام الأخيرة، وضعه في قلب دائرة الخطر. الإسعافات الأولية التي جرت على الأرض في بيروت، وفّرت استمرار عدم انقطاع أنبوب الأوكسجين عن العاصمة. بقيت الرئة تتنفس. لكن العلّة تمدّدت إلى الأطراف. والالتهاب يهدّد بالعودة إلى كل أنحاء الجسم. البلد انتقل إلى حالة غير مسبوقة من فقدان التوازن.
فما كان يخشى منه وقع. محظور الاحتكام إلى السلاح انكسر. ومع هذا الانكسار عادت لتبدو على السطح ظواهر رافقت حربه الأهلية سيئة الذكر: نزوح ورحيل ولجوء إلى خارج المكان. ليس ذلك فحسب، بل إن بدايات عرقنة أخذت تظهر، ولو بصورة محدودة أو فردية. لكن مجرد حصولها يستحضر كوابيس مرعبة؛ وينذر بالأسوأ والأكثر سواداً. التصفية على الهوية تؤشر إلى احتمالات انفلات العنف الأعمى. خطر يطيح حتى بإمكانية فرملة التدهور؛ ناهيك بإمكانية العثور على شيء من بقايا القواسم المشتركة والتفاهم في أدنى حدوده.
في ظلّ هذه الأجواء والمعطيات الضاغطة والشديدة الخطورة، انعقد الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب، في القاهرة، في محاولة لوقف التردّي والعثور على معالجة تكفل استعادة الانفجار من الشارع والعودة به إلى إطاره السياسي، بحثاً عن مخرج. على الطاولة مبادرة صادرة عن المجلس الوزاري نفسه، قبل حوالي شهرين.
حصل خلاف في تفسيرها، حكم عليها بالتجميد. فريق السلطة يشدّد فيها ويؤكّد على ما يسمّيه بالأولويات، التي يرى أن مطلب انتخاب رئيس جمهورية للبنان، يأتي على رأسها؛ ومن ثم يليه تشكيل حكومة والاتفاق على قانون انتخابي جديد. فريق المعارضة يقول بالعكس، إذ يؤكّد على وجوب التعامل مع كل هذه الأمور كسلّة واحدة، سوياً.
مع هذا التضارب والإصرار على المواقف، توقفت الوساطات وبقي كل شيء على حاله. لكن التحذيرات كانت تتوالى بأن الأزمة، في غياب المخارج، محكومة بالتفاقم؛ وذلك بفعل ما تختزنه من عوامل تفجير واحتقان. وفعلاً هذا ما حصل. كل هذه العوامل راحت تتفاعل، تحت السطح. والحصيلة أطلت برأسها مع مطلع الأسبوع الماضي. والباقي معروف.
إن شريط الأزمة، خاصة في محطاتها الأخيرة؛ يكشف عدة حقائق. أولها، أن عامل الوقت ليس في صالح أحد. هو فقط في صالح رفع منسوب التأزم ووضعه على سكة التفجير. وهذا الأخير، عندما يتراكم يخلق كرة ثلجه. ومع التكرار يصير من المتعذر التحكم بديناميته. يتدرج من أصغر إلى أكبر.
تماماً هذا هو المنحى الذي أخذه، منذ مطلع 2007. كما يكشف هذا الشريط أن مواصلة لعبة شدّ الحبال، من غير استعداد لإدخال ليونة مطلوبة؛ تزيد من درجة التعقيد والتصعيد. التنازل المتبادل، مفتاح مركزي. كذلك كشف أن تحكيم السلاح، خسارة مضمونة لكل أطرافه؛ بصرف النظر من يكون الرابح الآني؛ أو اللاحق.
لعبة النار مدمرة، بقدر ما هي مغرية. والهزيمة فيها مضمونة لجميع اللاعبين. ومرة أخرى، نقول إن في تجربة الحرب الأهلية اللبنانية نفسها ما يؤكد هذه القاعدة التي خبرها لبنان بالدم والكلفة الباهظة. فهل هو في وارد الانزلاق إلى بركانها مرة أخرى؟.
الجواب في الأيام الأخيرة.. الحل يستوي على الطاولة وليس في الشارع.
