يوماً بعد يوم يكتشف اللبنانيون (قبل غيرهم) ان لا سبيل أمامهم للخروج من أزماتهم المتلاحقة وخصوصاً الازمة الخطيرة الأخيرة، سوى الحوار وثقافته وبغيره فان الانتحار هو الخيار مهما تلبس خطاب الاطراف المتصارعة من شعارات براقة او كلمات مثيرة أو استعراضات للقوة أو بلاغة الكلمات..

الاجتماع الطارىء لوزراء الخارجية العرب الذين سيلتقون اليوم في القاهرة يؤشر على الاهتمام العربي بمصير هذا البلد الشقيق وبمستقبله وعلى أهمية هذا الاجتماع وما يمكن ان يخرج عنه من توصيات ومساع، فان الكرة في ملعب اللبنانيين أنفسهم الذين تحيط بهم النيران وتستعصي على أي فريق منهم امكانية شطب الآخر أو الهيمنة عليه بأي أسلوب أو مقاربة كانت..

الحوار هو الطريق الأسلم والأقصر والقادر على تجنيب بلاد الأرز وشعبها الكوارث والمزيد من المعاناة وسفك الدماء.. والمطلوب الآن وضع المبادرة العربية موضع التنفيذ وخصوصاً ان فريقي الأزمة أعلن قبوله بها والاختلاف تمحور حول التفاصيل والأولويات وهل تؤخذ كرزمة واحدة أم يصار الى انتخاب المرشح التوافقي العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية ثم يتم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الأولى في العهد الجديد ثم التوافق على قانون انتخاب جديد يكاد يتفق الطرفان عليه كما تدل على ذلك تصريحات رموزهما..

هي اذاً، أزمة ثقة لا أكثر ولا أقل، واستعادة الثقة او اعادة بنائها لا يتم بغير الحوار الذي يفتح الطريق على تنازلات متبادلة تسمح لكلا الطرفين بالقول لأنصاره انه حقق أهدافه وان صيغة العيش المشترك وضرورة المحافظة على السلم الأهلي وضمان وجود لبنان والحؤول دون تقسيمه او سقوطه في هوة الفتنة الطائفية أو المذهبية تفرض على الجميع الالتزام بمبدأ الشراكة دون هيمنة او الغاء او اقصاء او استئثار بالسلطة او محاولة فرض الآراء بالقوة لأن لا سبيل الى تداول سلمي للسلطة في لبنان بغير العودة الى التقاليد اللبنانية العريقة التي تقوم على تمثيل كل الطوائف والمذاهب والأعراق عبر قانون انتخاب يجب وبالضرورة ان يصبح عصريا ومن خلال صناديق الاقتراع التي لم يقل أي لبناني انها لم تكن نزيهة وديمقراطية حتى في أحلك الظروف التي مر بها لبنان خلال ما يزيد على ستة عقود مضت على استقلاله..

أحداث الأيام الاخيرة يجب ان تفتح عيون اللبنانيين جميعا - وعقولهم - على حجم واتساع الهوة التي ينحدرون اليها بخيارهم او نيابة عن الآخرين والتفكير مليا في مصالح وطنهم وشعبهم بعيدا عن حسابات الخارج الاقليمي والدولي وبعيدا عن المكاسب الفئوية او الشخصية وخصوصا المذهبية والطائفية الضيقة والعابرة وان يعيدوا الاعتبار للقاعدة الذهبية التي حكمت صراعاتهم واختلافاتهم وهي قاعدة لا غالب ولا مغلوب لأن البديل هو الكارثة..