الرئيس الأميركي قادم ليحتفل بمرور ستين عاماً على قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المغتصبة. إنها إحدى المرات القليلة التي يصدق فيها الرئيس الأميركي مع نفسه ومع الرأي العام وسط حياة سياسية مليئة بالأكاذيب التي تعودت عليها أميركا والعالم. الرجل هنا يتصرف من منطلق عقيدة سياسية وهوس ديني يعتبر الانحياز الأعمى لإسرائيل أمراً لا نقاش فيه وجزءاً من » التكليف الإلهي «الذي يزعم الرئيس الأميركي أنه يتصرف بمقتضاه !!
زيارة الكيان الصهيوني في هذه المناسبة والتجول في القدس المغتصبة هي ذروة اليقين عند الرئيس الأميركي بأنه يسير على الطريق الصحيح سياسياَ ودينياً، خاصة وهو يقترب من نهاية حكمه الذي قاد بلاده إلى كارثة عسكرية وسياسية واقتصادية، ومع ذلك فهو لم يفقد الأمل في أن يبقى حكم أميركا في قبضة حزبه وأن يظل القرار في يد العصابة التي أمسكت به طوال سنوات حكمه.. على الأقل لكي يؤجل يوم الحساب المرير على ما فعله وفعلته العصابة اليمينية الصهيونية بأميركا وبالعالم وبالعرب والمسلمين.
صورة الرئيس الأميركي في هذه المناسبة وسط السفاحين الصهاينة على الأرض الفلسطينية المغتصبة صورة طبيعة للغاية تجسد العلاقة بين الطرفين بكل أبعادها. ولكن التناقض يظهر بعد ذلك حين ينتقل الرئيس الأميركي ليلتقي عدداً من الزعماء العرب!!
بالقطع لن يذهب ليشاركهم، ويشارك العرب، مشاعرهم الحزينة في ذكري النكبة التي تم فيها اغتصاب فلسطين وتشريد شعبها، ولن يطالبهم بمشاركته أفراحه ب»انتصارات«إسرائيل التي يعتبرها انتصاراً لأميركا وتأكيداً لمعتقداته الدينية والسياسية !! ولا يبقى إلا أن يحدثهم عن » السلام «الذي وعد بتحقيقه قبل نهاية العام، ولا يوجد ما يشير إلى أي احتمال لتحقيقه حتى الآن !
لقد فشل المخطط الأميركي السابق لعقد قمة تضم إسرائيل مع الزعماء العرب، ولم يكن ممكناً أن يتم ذلك في هذا التوقيت لكي يكون تكريساً للنجاح الإسرائيلي والتراجع العربي في الذكرى الستين للنكبة. وقيل إن الرسائل العربية للإدارة الأميركية فضلّت ألا يزور الرئيس الأميركي البلاد العربية ويجتمع بقادتها إلا إذا كان لديه خطوات ملموسة على طريق التسوية السلمية يتم إعلانها.
ومع ذلك فسوف يذهب الرئيس الأميركي لمصر والسعودية ويجتمع بزعيمي الدولتين وأيضا بالعاهل الأردني ورئيس السلطة الفلسطينية، حتى لا تبدو زيارته للمنطقة مجرد مشاركة في احتفالات إسرائيل، ويكون ذلك اعترافاً منه ومن الإدارة الأميركية بوصول مبادرة أنا بوليس إلى نهايتها المحتومة.
وفي التمهيد لهذه الزيارة يقال الآن إنه قد حدث » اختراق مهم « في محادثات أبو مازن مع اولمرت. وأن اللقاء الأخير بينهما الذي تم في أعقاب آخر زيارات وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لتمهيد الطريق أمام الرحلة المرتقبة لرئيسها، كان لقاءً تم وصفه بأنه »جدي ومعمق للغاية«.
وتأتى هذه التطورات بعد فترة قصيرة من عودة أبو مازن من أميريكا ولقائه بالرئيس بوش وخروجه بعد اللقاء ليحذر من كارثة بعد أن فاجأه موقف الرئيس الأميركي من رفض الضغط على إسرائيل لوقف مذابحها ضد الشعب الفلسطيني، أو لوقف الاستيطان الذي يجعل التفاوض بلا جدوى !! فما الذي حدث ليتحقق تقدم في المباحثات بين السلطة الفلسطينية وحكومة اولمرت ؟!
صحيح أن كوندوليزارايس أثارت في زيارتها الأخيرة قضية المستوطنات، ولكن الصحيح أنها اكتفت بالإشارة إلى أن الاستيطان » مثير للمشاكل«!! وهي إشارة لم تمنع إسرائيل من الإعلان أثناء زيارتها عن توسع جديد في بعض المستوطنات.
ولم تمنع رايس نفسها من الاستمرار في إعلانات التفاؤل بالحل الأميركي المنشود، وإن كان الأمر قد أصبح أكثر تواضعاً حيث أصبح الهدف من التحرك الأميركي هو تخفيف القيود على حركة الفلسطينيين بإزالة بعض الحواجز، والسعي «لاتفاق إطار» لتعريف الدولة الموعودة !!
لن يزول التناقض حين تقول التسريبات إن التقدم الذي حدث في الترتيبات الأمنية والحدود، أما قضايا القدس واللاجئين وغيرها من القضايا الأساسية فاللجان التي تبحثها لم تحقق فيها أي تقدم. والأسباب واضحة، ففي قضية الترتيبات الأمنية يتحول التفاوض إلى إقرار بحق إسرائيل أن تفرض ما تشاء من قيود وتدابير لحماية أمنها دون أن يسمح للفلسطينيين بذكر الحقيقة وهي أنهم هم الذين يفتقدون الأمن وهم الذين يقتل أطفالهم في بيوتهم أو مدارسهم !
وفي قضية الحدود أقر أبو مازن مسبقاً بتعديل حدود 67، وفتح بذلك الباب لبقاء المستوطنات في الضفة الغربية وأصبح التفاوض على الأرض الجرداء الذي ستمنح للفلسطينيين مقابل ذلك ! هكذا يحدث »التقدم «و»الاختراق« في القضايا التي تعتمد على تقديم التنازلات من الفلسطينيين.
أما القدس واللاجئون وغيرهما من القضايا الأساسية فعليها أن تنتظر »اتفاق إطار« لتعريف الدولة يتم فيه ذكر القضايا المختلف عليها، ويقال إن التفاوض بشأنها سيستمر، والكل يعرف أن ذلك لا يعني إلا شيئاً واحداً وهو وضعها على الرف إلى اجل غير مسمى.
أو حتى يتم استكمال تهويد القدس وتمهيد الأرض لتوطين اللاجئين الفلسطينيين خارج وطنهم. وهكذا يأتي الرئيس الأميركي إلى المنطقة ليحتفل مع السفاحين الصهاينة بعيد اغتصاب فلسطين، وليتحدث مع العرب عن إزالة الحواجز بدلاً من إنهاء الاحتلال !!.
كاتب صحافي مصري