أن تصدح السيدة فيروز في مسرحية «صح النوم» بالشارقة ثم تعود إلى بيروت فتتقطع بها السبل، وتحول الاشتباكات دون عودتها إلى بيتها بسهولة، فتلك مأساة لمن لا يريدون أن يصحوا من الغفلة، ومن لم يتعلموا الدرس من سنوات الحرب الأهلية السوداء التي يتحتم إلا تذهب صورها المريرة عن الأذهان، بحيث يعمل الجميع على درء أخطارها مجدداً مهما احتدم الخلاف، واشتد الصراع السياسي الذي يجب أن يبقى في إطاره السلمي.

شرارة الحرب التي تخيم شبحها مع تسارع الأحداث في الأيام الأخيرة إذا اندلعت فلا ينفع أن يحكم التاريخ على كون هذا الطرف مسؤولاً أو ذاك بمقدار ما ستسجل صفحاته إدانة الكل بما سينتج عن الرصاص من مخاطر، وتعطيل لدورة الحياة في بلد طالما عرف أبناؤه بحبهم للحياة والتفنن في صنع أدواتها التي تقود إلى المستقبل ولا تشد إلى الخلف.

لا يهم كثيراً المراقب المهتم بمستقبل لبنان من الذي بدأ أو كيف تطورت الأحداث بمقدار خوفه من اندلاع حرب عبثية سيدفع اللبنانيون جميعاً ثمن تداعياتها كما تم في سنوات الحرب الأهلية البغيضة، ومن هنا لا بد أن يستمع اللبنانيون كافة إلى الأصوات التي تحذر من التمادي في الخصومة، والإصرار على الذهاب إلى حافة الهاوية.

لا نريد لبناناً مشتعلاً ، تنزح عنه الوجوه العاشقة لترابه، تحت وقع الخوف من المستقبل المجهول لو اندلعت الحرب لا سمح الله ولا كانت، لكن ذلك لا يأتي بالنوايا الحسنة والدعوات الطيبة لأن يحفظ الله لبنان من شر المتربصين به، وإنما تجنيب ارض الأرز ويلات الحرب بين أبناء البيت الواحد.

يملى على هؤلاء الأبناء الاحتكام إلى صوت العقل، وإدراك أبعاد الفخ المنصوب لهم جميعاً. أليس غريباً أن تشهد شوارع بيروت المتراشقين بالرصاص فيما إسرائيل على بعد كيلومترات محدودة تقيم الأفراح والليالي الملاح احتفالا بالذكرى الستين على نكبة فلسطين؟! الا يوجد عاقل يربط بين ما يجري هنا ويتم هناك؟

قد تقول المعارضة إنها على حق تتمسك بسلاحها باعتباره» خط أحمر« ، وقد ترد الموالاة باتهامها بالمسؤولية عن عدم الاستقرار الذي دخلت فيه البلاد التي يحكمها »السيد فراغ« بتعبير البعض في غياب التوافق على الرئيس حتى اليوم، لكن مستقبل لبنان اكبر من هذا الاتهام أو ذاك، ولا يجب أن يكون هذا المستقبل كرة تتقاذفها الرياح، فأمن الأوطان يجب أن يتجاوز كل الخلافات، وتعارض المصالح الآنية.

هناك كلام كثير يتردد عن الأصابع الحقيقية التي تحرك الأحداث على رقعة الشطرنج اللبنانية، وأن مصالح إقليمية ودولية وراء ما يجري، وهذا قد يكون صحيحاً، لكن الأصح أن هذه الأطراف لا يمكن لها أن تلعب في الساحة من دون أن تجد لها منافذ ولوج إلى الشارع اللبناني، والاندساس في أزياء مموهة لا تظهر نفسها بشكل مباشر في صنع الفتنة بين أبناء البلد الواحد إذا لم يتح لها هؤلاء الأبناء الفرصة كي تتدخل في شؤونهم الداخلية، وتفجير الأوضاع خدمة لمصالحها.

ففي الأول والأخير لا تستطيع قوة مهما أوتيت من وسائل أن تزرع الفتنة إذا لم تجد لها تربة خصبة، وأصحاب تلك التربة مسؤولون في البداية والنهاية عن إعطاء الآخرين فرصة الزرع والحرث في أرضهم التي يجب أن يكون زرعها وحصادها لهم فقط وليس للآخرين المتربصين والذين لا بد وان يسعدهم انطلاق شرارة الحرب التي ستأكل الأخضر واليابس في طريقها، فمتى يستيقظ اللبنانيون من النوم ويدركون أن ما يجرى بالخصم من مستقبلهم جميعاً مهما تذرع كل طرف بحججه ومبرراته.