إسرائيل مشغولة باحتفالات الستين لولادتها. برامج واستعراضات ونشاطات، متنوعة؛ واكبتها مشاركات خارجية، كان أغزرها من الولايات المتحدة الأميركية. في رأس القائمة يأتي الرئيس بوش، الذي أبى أن تفوته هذه الفرصة من دون حضوره شخصياً إلى ساحة الذكرى. وقد جرى إعداد برنامج حافل لزيارته، المقرّر أن تبدأ بالتزامن مع إعلان بن غوريون لقيام إسرائيل، الموافق ليوم 15 الجاري.
الوزيرة رايس قامت بأكثر من جولة في المنطقة، خلال الفترة الأخيرة، على أمل جعل زيارته مناسبة لإعلان تطور ما؛ تكون له نكهة الانجاز، على صعيد أنابوليس ووعوده. لكن ذلك تبخّر سلفاً. لا هي ولا إدارتها كانت في وارد حمل إسرائيل على الوفاء بالحدّ الأدنى من التزاماتها؛ وأولمرت، هو الآخر،غير قادر ولا راغب في ذلك.
وهو بكل حال يتخبط في مستنقع فضائح ومهدّد بالغرق في أوحاله ومغادرة الحكم، يجرّ ذيل فساده وراءه. والرئيس بوش، إذا كان في طليعة الضيوف الحاضرين؛ إلاّ أن المشاركة الأميركية لإسرائيل، في أفراحها الميلادية لا تقتصر عليه. فالجوقة طويلة عريضة. تبدأ من الإعلام وتنتهي في ميدان معركة انتخابات الرئاسة.
الصحف شهدت فيضاً من التقارير، بهذه المناسبة. منها ما عاد إلى البداية، لسرد رواية الاعتراف الأميركي المبكر بإسرائيل؛ وتوجيه الشكر للرئيس ترومان الذي سارع يومذاك، وبعد ساعات قليلة من إعلان بن غوريون، وخلافاً لتوصية وموقف فريقه الدبلوماسي في وزارة الخارجية، إلى إعلان اعتراف واشنطن بالدولة العبرية.
ومنها ما أفاض في تسليط الأضواء، على المناسبة وأجوائها والشخصيات الأجنبية، الفنية وغيرها؛ التي تعتزم مشاركة إسرائيل، احتفالها الستيني. غير أن المشاركين الكبار كانوا مرشحي الرئاسة الأميركية الثلاثة؛ ولو من بعيد.
التزلف لإسرائيل، وإلى حدّ الارتهان، عند أصحاب هذا الموقع؛ تقليد مزمن. المرشحون، من الحزبين، اعتادوا على ممارسته. وها هي السيناتور هيلاري كلينتون تحيي «الشعب الإسرائيلي الذي بنى ديمقراطية قوية»؛ كما ورد في بيانها الصادر بمناسبة الذكرى. ومثل العادة، عند عزف أناشيد الإطراء لإسرائيل، لم تنس كلينتون الإشارة إلى «القيم المشتركة وروابط الصداقة القوية؛ التي توحّد بين إسرائيل والولايات المتحدة».
كذلك السيناتور باراك أوباما، مثل غيره لا يترك الفرصة تمر من دون أن يدلو بدلوه ويزايد على منافسته كلينتون، قائلاً إن «أكثر ما أحبه هو أن إسرائيل ديمقراطية صلبة؛ وبالتالي من المهم توجيه رسالة إلى العالم بأننا سنقف إلى جانبها ونريد أن تبقى هنا ليس فقط 60 عاماً بل 600 وأنها ستجد فيّ حليفاً ثابتاً، كرئيس». وطبعاً المرشح الجمهوري جون ماكين، الذي سبق وزار إسرائيل مؤخراً، كانت له حصته في الفرحة، التي اغتنم فرصتها ليؤكد أن «إسرائيل باقية وسوف تبقى كدولة، مع رابط حيوي بين شعبينا».
كلام البازار الانتخابي هذا ليس جديداً. لكن تكراره لا يغير في الحقيقة شيئاً. كما لن يغيرها حضور الرئيس بوش ومشاركته في الاحتفالات؛ وهي أن ولادة إسرائيل لم تجلب معها غير الويلات والكوارث والحروب. تاريخها يشهد بذلك ومسيرتها حافلة بالشواهد. ليس ذلك فحسب، بل إنها باقية مشروع حروب ودمار، طالما بقيت على غيّها وعدوانيتها المعروفة في المنطقة.
