كانت الأزمتان الداخليتان الفلسطينية واللبنانية متطابقتين من حيث النشوء والارتقاء، وفقاً لنظرية داروين إذا فسرت سياسياً، لكن مع اختلاف بسيط وهو أن ما كانت تطالب به المعارضة في لبنان بلسان حزب الله من حكومة »السنيورة« كانت تطالب به حركة فتح من حكومة إسماعيل هنية.
وكنت توقعت أن ينتظر الفلسطينيون مسار الأحداث في لبنان منذ أكثر من سنة وكيفية حسمها لكي يطبقوا الحل اللبناني على أنفسهم، لكن ما حدث هو أن الحسم العسكري في غزة الذي لجأت إليه حماس قام حزب الله بتقليده في بيروت، وسيطر على غربي بيروت بلمح البصر فيما سيطرت حماس على غزة بقوة مقاتلة لا تتعدى الألف مقاتل، وأعطى حزب الله مبررات علنية وضمنية لمثل هذه الخطوة كضربة استباقية كالتي أعطتها حماس كمبرر لسيطرتها على غزة.
ومنها ما روجه الأميركيون عن دعم وتسليح للجيش اللبناني وغيره من الميليشيات، ما أشعر حزب الله بأن هناك مخططاً للانقضاض عليه يجري التحضير له وهو ما سبق للأميركيين أن فعلوه في غزة حيث تحدثوا مطولاً عن دعم مالي وتسليح للفريق المعارض لحماس مثل تيار محمد دحلان ولعل جولات الجنرال دايتون أعطت الانطباع بأن السلطة تخطط للانقضاض على حماس، وهذا كله أدى إلى تسريع قيام حماس بالسيطرة على قطاع غزة.
ما حدث في لبنان يشبه هذا السيناريو مع اختلاف الأدوار فبعد أن كان الحديث يدور عن لبننة الأراضي الفلسطينية بات الحديث عن »غزغزة« لبنان أي استحواذ حزب على مناطق وجيوب سيادية له على غرار ما فعلت حماس في غزة.
لكن حزب الله لم يدرس الآفاق المسدودة التي تواجه حركة حماس فهو مثلاً يرفع شعار المقاومة والحكم معاً وهو شعار رفعته حماس لكنها وجدت نفسها تعرض الهدنة والتهدئة على إسرائيل بعد أن وصلت سكين التهديدات الإسرائيلية إلى نحر قادتها في غزة.
فهل سيضحي حزب الله بالمقاومة لصالح الحكم وهل سيعرض تهدئة مع إسرائيل لاحقاً؟ وهذه التهدئة التي كانت مرفوضة سابقاً بل ومدانة من قبل حماس تتناقض مع كل ما ساقته حماس من تبريرات وشعارات سابقة إبان ممارستها النشاط العسكري منذ ما بعد أوسلو حتى ما قبل انسحاب إسرائيل من قطاع غزة.
والواقع إذاً يؤكد أن شعار المقاومة يتحول الآن إلى سلم للوصول إلى ما بعد المقاومة وهو الحكم. وكأن وقت الحصاد قد أزف. على أن هذه الإشكالية ستتعقد لاحقاً وتفضي إلى إشكاليات أخرى أشد وطأة. فلبنان الذي انتزعه رفيق الحريري باتفاق الطائف من أتون الطائفية والحرب الأهلية والدمار يبدو مرشحاً إلى الاصطفاف كعنصر مؤثر في فسيفساء المشهد الشرق أوسطي إلى جانب فلسطين والعراق، فالأزمة اللبنانية الآن انفتحت على كل الاتجاهات ولن يكون اللجوء إلى السلاح إلا معبراً لمن يريد الدخول في المزاد اللبناني، وهذا كله يزيد الأزمة تعقيداً.
الأزمتان الفلسطينية واللبنانية هما إفرازات الوضع العربي المتخلف عن التعاطي مع المستجدات الدولية من موقف موحد، فقد ترك العرب العراق يواجه مصيره دون تدخل عربي حقيقي يدعم وحدته الجغرافية والديمغرافية فملأت إيران هذا الفراغ وباتت شريكاً محاوراً للاحتلال الأميركي حول العراق، وترك العرب الساحة الفلسطينية أيضاً كإقطاعية أميركية غربية دون تدخل يذكر، فكانت النتيجة انهيار وتفتت الموقف الفلسطيني واستحواذ إيران على حصة مؤثرة فيه.
وفي الحالة اللبنانية لم تعرف الدول العربية كيفية التعاطي مع حزب الله خاصة أثناء الحرب الثانية التي أظهرته كقوة مخفية عظمى تستطيع مواجهة إسرائيل وإلحاق الهزيمة بها، لكن المنطق الرسمي العربي صور ما اعترفت به إسرائيل من فشل أمام حزب الله وكأنه هزيمة لحزب الله وهذا المنطق الخاطئ للنظام العربي هو ما يفتح المجال لتوغلات إيرانية في الجسم العربي تسير بشكل متوازٍ للتوغل الأميركي في النظام العربي نفسه.
ولعلني أشرت في مقال في البيان في صيف 2005 أن إيران تسعى لإقامة محور قوي عبر المنطقة العربية كان ينقصه رأس جسر في الأراضي الفلسطينية التي تركها العرب عرضة للاختراقات من كل حدب وصوب وهو ما حدث لاحقاً.
النظام العربي الذي عجز عن حل الأزمة الداخلية الفلسطينية هو نفسه الذي عجز عن حل الأزمة العراقية وهو نفسه الذي يعجز الآن أمام تنامي الأزمة اللبنانية، وهو نفسه الذي سيعجز عن إيجاد حلول لكثير من الأزمات المتنامية في كل قطر عربي بدعوى سياسية أو مذهبية أو عرقية.
فالاختراقات الأجنبية للجسم العربي باتت سهلة لأن النظام العربي يمر في أسوأ حالاته ولم يعد يعتمد على نفسه في حل قضاياه، بل بات وكأنه يسلم مقاليد الأمر للسياسة الأميركية التي تتسم بالغباء الفاضح وربما المتعمد لإغراق الوضع العربي في حالة من عدم الاستقرار الكلي ما يُهدّد الوجود العربي والدولة القطرية لحساب فسيفساء الطوائف والمذاهب والأعراق.