بحلول العام الستين من عمرها تقف إسرائيل الآن على مفترق طرق بشأن مصيرها على المدى البعيد، هكذا يقول أحد السياسيين الإسرائيليين البارزين؛ شلومو بن عامي وزير الخارجية الأسبق: أمام إسرائيل طريقان: طريق »دولة تل أبيب« أو طريق »دولة القدس«.
وفي الشرح يقول بن عامي إن النموذج الأول هو أن تدير إسرائيل ظهرها للأراضي الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال ـ الضفة وقطاع غزة ـ لتتيح للشعب الفلسطيني إقامة دولة كاملة الاستقلال جغرافياً وسيادياً على تلك الأراضي بعد زوال الاحتلال بالكامل، أما النموذج الثاني فإنه يتمثل في »إسرائيل الكبرى« التوسعية القائمة على ضم أرض »يهودا والسامرة« أي الضفة الغربية على أساس أنها »أرض الميعاد« الموعودة إلهيا لبني إسرائيل كما يزعم أنها وردت في »التوراة«.
هكذا في النموذج الأول تكون إسرائيل دولة علمانية متخذة من تل أبيب ـ عاصمة لها وليس دولة دينية عاصمتها القدس، وشلومو بن عامي يرى أن يأخذ الإسرائيليون بالخيار الأول إذا أريد للدولة الإسرائيلية البقاء. طرح بن عامي ينطلق كما هو واضح من تخوفه كيهودي إسرائيلي على مصير »الوطن القومي« على المدى البعيد في منطقة عربية إسلامية تعيش فيها الدولة اليهودية كجسم غريب مرفوض، لكن كيف تسنى لإسرائيل أن تبقى على قيد الحياة لمدى 60 عاماً حتى الآن؟
بن عامي يقول إنه في كل يوم من أيام هذه الستين عاماً عاش الإسرائيليون جميعاً جيلاً بعد جيل تحت حالة طوارئ مستديمة ناشئة من حالة خوف لا يزول، ليس فقط على المستويات الأمنية والعسكرية للمؤسسات الرسمية، بل أيضاً على مستوى المجتمع الإسرائيلي بأسره. وإذن إلى متى تحتمل الأجيال الإسرائيلية هذه الحالة الشاذة؟
خلال هذه العقود الستة خاضت إسرائيل ست حروب مع العرب، وربما يقال إن هذا العدد من الحروب ليس بالكثير، مما يدفع الإسرائيليين للتفكير في الزهد في »الوطن القومي«. لكننا بالاحتكام إلى مثل هذا المنطق ننسى أن إسرائيل ظلت في حالة استعداد لاحتمال الحرب لمدى ستين عاماً متصلة، ستون عاماً من الشعور بعدم الأمان الرسمي أو الشخصي.
في هذا الصدد يقول بن عامي: إسرائيل ولدت بالحرب، ومنذ ذلك الحين وهي تعيش على الحرب. وبعين المستقبل يضيف هذا السياسي الإسرائيلي المرموق أن المجتمع الإسرائيلي لن يعرف طعم الأمان التام طالما بقيت حالة الاستيطان اليهودي على الأرض الفلسطينية وطالما بالتالي بقي الشعب الفلسطيني من دون دولة وطنية.
وتأسيساً على هذه المحاججة يحذر من أنه إذا تواصل الوجود الإسرائيلي في المناطق المحتلة كبقع استيطانية فإن من شأن هذا أن يكون مؤشراً لنهاية الدولة اليهودية. القادة الإسرائيليون الذين يتمسكون بنموذج إسرائيل الكبرى التوسعية كتجسيد لرؤية »أرض الميعاد« يراهنون على الشقاق الفلسطيني والعجز العربي الراهن. لكن هل بوسع أحد تجميد مسار التاريخ عند مرحلة معينة؟ ألن تفرز متغيرات الأحداث التاريخية جيلاً جديداً من الفلسطينيين والعرب عند مرحلة مستقبلية ما كما هي سنّة الحياة؟