على وقع السجال السياسي اللبناني عاش العرب والعالم ردحا من الزمن , بينما ظل الخلاف محصورا في اطار الخطاب السياسي العنيف أحيانا والمراوغ أحيانا اخرى وفي ظروف الاحتقان واستعار الجدل , نجد دائما من يدخل للتهدئة , لكن منذ يومين دخلت الخلافات مرحلة استخدام السلاح وهو المحظور الذي ظل قائما منذ اندلاع المشكلات السياسية اللبنانية حتى امس الاول , وبذلك يكون الخلاف اللبناني قد دخل في حيز الخطر الذي يهدد سلامة لبنان واللبنانيين ويفسح الطريق واسعا للمشروعات السياسة الاجنبية كي تعبر عن نفسها على الساحة اللبنانية.
الا ان هذا المنعطف ـ للأسف ـ سيعطي الذرائع لا محالة لأولئك الذين (يتلطون) وراء شعارات ورايات اجنبية ليتهربوا من مسؤولياتهم في الحفاظ على استحقاق المرحلة الراهنة التي لا يمكن ان تحقق اهدافها خارج مناخ التهدئة والهدوء ، والاعتماد على الأخ والصديق بشفافية وتجرد من الهوى حتى يمكن لهذا الجزء الغالي من الوطن العربي ان يحافظ على امنه وسلامة اراضيه والابقاء على أرواح شعبه.
ربما يكون من الصحيح ان للازمة السياسية روافد اجنبية تغذيها حتى صار الأمر الى ما صار إليه من شقاق وعنف، لكن تظل الحقيقة التي لا مراء فيها ان الاطراف الداخلية هي التي تستدرج الجهات الاجنبية للتدخل.
ان لدينا غطاء عربيا يمكن ان يرتكن اليه اللبنانيون على اختلاف اطيافهم السياسية وهو بمثابة المظلة الآمنة والسبيل الى الخروج من النفق المظلم الذي تردت اليه الأوضاع في لبنان.
ولا نبالغ كثيرا اذا قلنا ان الفرقاء اللبنانيين قد أساءوا الى انفسهم والى قضيتهم حين اهملوا المبادرة العربية وحين لم يكترثوا بالمساعي الحميدة التي سعاها اشقاؤهم العرب بتجرد من أي مصلحة ذاتية من اجل الحفاظ على وحدة لبنان ودفعه قدما الى حياض السلام والوئام والتناغم الاثني والطائفي الذي يزهو به اللبنانيون وبتعايشهم مع بعضهم.
ومن ثم وجب على محبي لبنان ـ ونحن منهم ـ ان يأخذوا بيده الى بر الأمان حتى لا تدخل الاطراف الثالثة لتأخذ زمام المبادأة من كل من المعارضة والموالاة على السواء، وفيما لو حدث ذلك فلن يشهد اللبنانيون يوما من الوئام حيث الأجنبي إن حارب على ارض غير ارضه فلا يعنيه حجم الخسائر، وقد يلجأ الى سياسة الارض المحروقة مادام هو قادرا على الاحراق، ولنا في احداث العراق موعظة، حين ظن نفر منهم انه قادر على خلط الأوراق وتغيير التوازنات لصالحه باستدعاء الطرف الثالث، الذي خرب كل شيء ولا يزال يخرب دون ان تتوافر قوة داخلية لإيقافه عند حده.
فلتبق الثنائية اللبنانية (المعارضة والموالاة) ما شاء لها ان تبقى ولكن في اطار السجال السياسي كما بدأت، وما لا يدرك كله لا يترك كله فلتكن هذه قاعدة للطرفين كي يتوصلا الى كلمة سواء، واليوم استطاع الجيش اللبناني بتماسكه حسم الخلاف المسلح ولكن قد يأتي اليوم الذي تفلت فيه الأمور حتى من بين يدي هذا الجيش لا سمح الله.
