لم يكن لبنان في حاجة إلى شقيقاته العربيات قدر حاجته إليهن اليوم‏,‏ ومن نافلة القول إعادة تكرار حقيقة أن لبنان بلد عربي‏,‏ وأن ضياع أي بلد عربي هو إضعاف لقوة العرب جميعا‏.‏ بالأمس ضاع العراق‏,‏ وقبله ضاعت فلسطين‏,‏ وها هو لبنان اليوم يضيع‏,‏ فمن يا تري يدفع بلبنان دفعا إلى سكة الندامة‏..‏ سكة الضياع؟

والسؤال بصراحة أكثر‏,‏ وبدون لف أو دوران‏:‏ لمصلحة من بالضبط ما يفعله حزب الله في لبنان؟ إننا لن نحتاج إلي جهد كبير للعثور على الإجابة‏:‏ حزب الله هو رأس حربة لتنفيذ أجندة إيران في المنطقة‏,‏ وليس جديدا الحديث عن هذه الأجندة الإيرانية‏,‏ فأطماع إيران في الإقليم العربي قديمة قدم التاريخ‏,‏ وليست وليدة الأمس أو اليوم‏.

وبالتالي فإن لنا هنا أن نسأل‏:‏ ما الحجج التي استند إليها حزب الله لكي ينتفض هذه الانتفاضة العنترية فيهجم هذه الهجمة على بيروت الغربية؟ من الكاسب ومن الخاسر من هذا الذي جرى خلال اليومين الماضيين؟ إن الخاسر بالتأكيد هو المواطن اللبناني البسيط الذي أجبرته الصواريخ والمدافع والأربجيهات على مغادرة منزله وعمله‏,‏ والفرار للنجاة بحياته‏..‏ فهل هذا هو الجهاد؟

إنهم يتحدثون في حزب الله عن السلكة‏,‏ وهي شبكة الاتصالات التي يمتلكها الحزب وتمتد إلى مناطق مختلفة في بيروت‏,‏ فما المشكلة في أن تبسط الحكومة المركزية سيطرتها على هذه الشبكة؟ أليس ذلك من أبسط حقوق أي حكومة مركزية في أي دولة من دول العالم؟

سيجيبون‏:‏ لكن هذه الشبكة تستخدم في المقاومة ضد إسرائيل ويجب ألا يمسها أحد‏,‏ فأين هذه المقاومة الآن؟ إننا منذ انتهاء حرب يوليو في الجنوب اللبناني لم نسمع عن عملية استشهادية واحدة‏,‏ فلماذا التمسك بهذه الشبكة؟ أليس ذلك تكريسا لخطيئة وجود دولة أخرى(‏ أو عدة دول‏!)‏ داخل الدولة الواحدة؟ ولنكن أكثر صراحة ونسأل‏:‏ هل لبنان دولة واحدة أم دول كثيرة تتبع كل منها طائفة ما؟ لقد كان الإنجاز الذي حققه حزب الله ضد إسرائيل في صيف‏2006‏ مثار إعجاب وإشادة كثير من العرب‏,‏ فماذا سيقول هؤلاء العرب أنفسهم الآن عندما يرون جنود حزب الله وقد احتلوا محطة تليفزيونية تتبع سعد الحريري‏,‏ وأمروا المحررين والإعلاميين بالركوع كأنهم أسري وسبايا؟

إن لبنان في خطر‏,‏ ولن يخرج أحد من هذه الفتنة المشتعلة على أرضه الآن منتصرا‏,‏ لا الشيعة‏,‏ ولا السنة‏,‏ ولا المسيحيون‏.‏ إن الذي سينتصر هم هؤلاء الممسكون بخيوط اللعبة في خارج لبنان لتحقيق مخططاتهم‏,‏ فهل سيسعي عقلاء لبنان وعقلاء العرب لتفويت الفرصة على هؤلاء المتاجرين في دموع اللبنانيين ودمائهم؟

لقد مضي زمن زعامات الميكروفونات والكاريزما الوهمية التي تخدع الناس بمعسول الكلام‏,‏ ويجب الآن وفورا وقف نزيف الدم المتفجر في لبنان بسرعة‏,‏ وعودة القوات المستأسدة التي تحتل الطرقات والشوارع والأبنية إلى ثكناتها‏,‏ وإعادة الاعتبار إلى دولة القانون المؤسسات‏..‏المطلوب في كلمتين هو‏:‏ أن تعود لبنان لتصبح دولة بحق وحقيق‏!‏