جرب العرب مع أميركا وإسرائيل قاعدتها العسكرية الكبرى في قلب الوطن العربي، كل الأساليب السياسية وأبطلوا كل الحجج والذرائع الصهيو ـ أميركية للسير نحو السلام، بالسماح بل والتواطؤ أحيانا لإزالة كل ما تعتبره واشنطن وتل أبيب عقبات فلسطينية أو عربية على طريق التسويات.
ودفعوا كل الأثمان الاقتصادية وقدموا كل المبادرات وكل التنازلات المقبولة وغير المقبولة من الشعب العربي، مراهنة على إمكانية اتجاه المحتلين للأرض العربية إلى الاعتراف بالحقوق العادلة لشعوبنا وصولا إلى السلام. ولكن لا سلام مرئيا على الأرض ولا سلام عادلا يلوح في الأفق، فكلما ازداد العرب تمسكا بخيار السلام ازداد الصهاينة والأميركان تهديدا بخيار الحرب، في محاولاتهم لفرض سلام بشروط الاستسلام>
والمرئي على الأرض وفي الأفق نذر حروب صهيو ـ أميركية جديدة لمزيد من العدوان والتوسع على حساب الأرض العربية والإسلامية! وإذا كان ما اغتصبته إسرائيل من أرض فلسطين هو بداية تحقيق المشروع التوسعي الصهيوني في بقية الأراضي العربية لـ (دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل) في إطار المشروع الشرق أوسطي الصهيو ـ أميركي، فإن المشروعية السماوية والأرضية والعربية والغربية التي تقر بحق الدفاع عن النفس والأرض والمال والوطن، تقتضي إعداد القوة لمقاومة ما هو عدواني توسعي استعماري.
والقوة درجات تبدأ بقوة الحق وقوة المنطق وقوة السياسة وقوة الاقتصاد وقوة الوحدة الوطنية والعربية، ولا بد لنا من التسلح بكل درجات القوة الممكنة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية، وبكل وسائل المقاومة المشروعة للدفاع عن حقوقنا وكرامتنا الوطنية والعربية.
والأمة العربية بطاقاتها البشرية والمادية ليست أمة ضعيفة بقدر ما تظن أنها ضعيفة، وليست أمة مهزومة بقدر ما هي أمة مقسومة ومأزومة، يكاد يغلب عليها الوهن بسبب عدم إدراكها لمنابع قوتها، وأولها هو إيمانها بجدارتها بحقوقها، وثقتها بنفسها، واستنهاض إرادتها، وتوظيف طاقاتها، واتحادها لصناعة قوتها لاستخلاص حقوقها والدفاع عن أمنها.
فما الذي جعل أمة العرب تبدو في هذه الحالة الراهنة من المشاعر الواهنة بهذه الصورة المقلقة التي نراها الآن، مترددة في مواجهة الهجمات السياسية والاقتصادية والأمنية ومتراجعة عن الدفاع ومتقاعسة عن المقاومة؟ وما الذي يضع العرب على طريق التنازلات.. أهي قوة إسرائيل وأعداء العرب فقط، أم هو ضعف العرب بسبب انقسامهم وغلبة المصالح القطرية على العربية؟
أم هو ضعف إرادة مقاومة العرب لإرادة أعداء العرب بسبب انقلاب الثوابت المبدئية؟ إنه ضعف المناعة السياسية الوطنية والقومية بما يجعلها قابلة للاختراق والاستباحة والارتهان للإرادة والتدخلات الصهيو ـ أميركية، والتخلي عن مصادر مناعتها وقوتها وأمنها وهي تضامنها وإرادتها ومقاومتها، والشعور بالضعف بينما لديها أسباب القوة، والشعور بالوهن بينما عليها استعادة الإرادة.
والفارق بين الضعف والوهن، هو نفسه الفارق بين حالة الضعف الواقعية ومشاعر الضعف الوهمية، لكن الأخطر في حالة الوهن هو الشعور بالضعف بينما تملك إمكانيات القوة، والشعور بالهزيمة بينما تملك أسباب النصر! والواقع أننا لا نواجه أعداء ضعفاء بل أقوياء، ويكفي أن إسرائيل الأقوى تسليحا من كل العرب مدعومة بأميركا الأقوى تسليحا من كل العالم، والواقع أيضا أننا نواجه كعرب حالة من الضعف>
لكن الأكثر تأثيرا منها هو حالة مضاعفة من الشعور بالضعف بينما لدينا أسباب القوة، وحالة من التعامل بسيكولوجية الهزيمة بينما من المفروض أن نتخلص من مشاعر الضعف ونتجاوز حالة الهزيمة، بعد انتصار الجيوش العربية في حرب أكتوبر 73، وانتصار المقاومة الوطنية اللبنانية في حرب يوليو 2006، واستمرار المقاومة في فلسطين رغم الثمن الإنساني الباهظ الذي يدفعه شعبها الصامد، والفشل العسكري والسياسى للاحتلال الأميركى في العراق.
والطبيعي أن نستعيد قوة إرادتنا ومشاعر الثقة بقدراتنا على القبول بما يفرض علينا من تحديات صعبة والانتصار فيها، ولو كانت القوة غير متكافئة.. فالقوة الحقيقية ليست في قوة سلاح العدوان، بل في قوة من يحمل سلاح الحق.