انتقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى رئاسة الحكومة هو إصلاح إداري، إذ إن تعزيز ودعم مجلس الوزراء ورئيس السلطة الروسية التنفيذية يصب في المصلحة العامة، وتاريخ مجلس الوزراء في روسيا لم يشهد في أي فترة من وجوده رئيس وزراء قويا وقد شكل هذا أحد أسباب عدم فعاليته.

وكان على الوزراء دوما التوجه إلى الرئيس مباشرة لحل القضايا المختلفة وقد أدى ضعف رؤساء الوزارات إلى مشاكل عديدة بين الوزراء تمتد لأشهر أحيانا ولسنوات أحيانا كثيرة، وليس من المستبعد أن تحصل روسيا على الحكومة الأكثر قدرة وفعالية على مدى تاريخ التشكيلات الوزارية.

قوة بوتين لا تكمن في كونه شغل منصب الرئيس وإنما كان ولا يزال زعيما سياسيا. وفي ظروف كهذه لو وافق بوتين على ولاية ثالثة لكان أضعف منه في الولاية الرئاسية الأولى والثانية، أي لكان قد وقع في فخ الكرسي ولارتبط اسمه بتغيير الدستور لمصلحته الشخصية، ولكنه لم يرد إضعاف موقفه.

وقد اختار بوتين هذا الطريق لأنه فهم طريق الزعامة بشكل مختلف، فالزعامة ليست منصبا وإنما هي كاريزما سياسية في مخيلة الناس، ولهذا السبب بالذات فضل بوتين البقاء في السياسة في دور جديد والحفاظ على الدستور والقانون. الجمهورية الرئاسية في روسيا هي نتاج كارثة عام 1993 عندما كان في روسيا مركزان متساويان في السلطة ولم يتمكنا من الحفاظ على التوازن فيما بينهما ودخلا في مواجهة مفتوحة كادت تنتهي بحرب أهلية.

ولهذا السبب اتخذت إجراءات طارئة بقرار 21 سبتمبر عام 1993 باستفتاء على دستور جديد هو الدستور الحالي. ومن الواضح تماما أنه في الظروف الجديدة لا بد من التخلي عن مركزية السلطة، فلو كانت كل القرارات في البلد يتخذها الرئيس لنشأ وضع معقد جدا.

فعندما تتمتع مؤسسة واحدة بكل الصلاحيات تبقى المسائل لسنوات دون أن تحل. فكان لا بد من توزيع السلطة بين مؤسسات مختلفة وأن الطريق نحو الحكومة الحزبية ورئيس الوزراء الحزبي هي طريق لإعادة توزيع السلطة في إيجاد بنية للسلطة أكثر استقراراً وتوازناً.

وإحدى المسائل التي أدت إلى تقويض الديمقراطية في روسيا في التسعينات من القرن الماضي هي عدم تشكل البنية الحقيقية للحزب، ففي نهاية التسعينيات تحولت الأحزاب إلى مجموعات قليلة العدد يمثلها بعض نجوم موسكو وبعض الناشطين السياسيين في الأقاليم. عشرات الآلاف من الأرواح الميتة المزيفة المدونة من أجل التماشي مع معايير وزارة العدل، أي هكذا كان شكل الحزب آنذاك.

وبسبب أن السياسة لم تعد جماهيرية في ذلك الوقت بدأت تظهر مشكلات في الديمقراطية حيث إن الديمقراطية تعمل فقط في حال مشاركة ملايين الناس فيها، ومن أجل الوصول إلى ديمقراطية حقيقية وليست الديمقراطية التي يريدها الغرب من روسيا احتاجت إلى أحزاب جماهيرية، وحزب روسيا الموحدة هو أول حزب جماهيري في الحقبة ما بعد السوفيتية حيث إنه يضم أكثر من مليوني شخص.

ودور الحزب يقصد به إعادة الإمكانية للمواطنين للمشاركة في الحياة السياسية والمدنية في البلد، والدور الآخر هو الحفاظ على النهج السياسي حيث يتغير الأشخاص في السلطة التنفيذية بينما يبقى الحزب تلك المؤسسة التي تحافظ على مواصلة النهج من دورة إلى أخرى.

بلا شك أنه ستظهر أحزاب أخرى وسيتعزز دورها مع الزمن، لأن اختيار النهج الصحيح لا يجوز دون جدال ونقاشات وانتقادات موضوعية من قبل هذه الأحزاب الآخذة بالتطور والتي قد تقترح أفكارا جديدة، ومن ثم مناقشة جميع هذه الأفكار وعبر الحوار والمناقشة يتم اتخاذ القرارات الصائبة والأكثر تماشيا مع أوضاع روسيا.

أي يجب أن تظهر معارضة غير المعارضة التي ترى اليوم والتي تقتصر على أشخاص محددين يشكون دائما من قلة ظهورهم على شاشة التلفاز دون الانتقادات الموضوعية في هذا النهج، وإجبار هذه الأحزاب على النقد الموضوعي هو أحد أهداف حزب روسيا الموحدة أيضاً.

الحفاظ على دور روسيا في العالم وتحسين وتعزيز الأوضاع داخل روسيا، يتعلق بشكل رئيسي بمدى قدرة روسيا على تحديث الاقتصاد وتذليل العقبات الداخلية مثل مسألة الجيش ومسألة حماية الحدود والمسألة الديمغرافية، لذلك حافظ بوتين على دور روسيا الدولي من خلال الارتقاء بالأوضاع الداخلية وبناء روسيا المؤسساتية.