على وقع الأعيرة النارية والخطابات التهديدية التخوينية وارتهان الإرادة الوطنية لطرف دولي أو إقليمي، غرق لبنان خلال اليومين الماضيين في مستنقع فتنة جديدة، تدق ناقوس الخطر لإيقاظ الغافلين من أبناء الأمة العربية، وتنبههم إلى أن أمننا الوطني والقومي بات في خطر حقيقي، بعد أن اتسع الفتق بين أبناء الوطن على الراتق مهما علت حكمته ونضجت خبرته.
الحاصل أن شبح الحرب الأهلية وفتنة «الفوضى غير الخلاقة» تستعر نيرانها، ويؤججها نافخون أجانب ومحليون، ويسابق آخرون الزمن لتحويلها إلى فتنة مذهبية طائفية بين أبناء الإسلام، ولا يتنبه أبناء وطننا إلى «الفخ» الذي نصب للجميع، متناسين درس العراق، وإجادة المحتل ل«تكتيك» التلاعب برقعة الشطرنج المذهبية والطائفية، وكيف أتاح لطائفة مسلمة قمع وسحق أخرى، قبل أن ينقلب على الأولى ويذيقها الآن من كأس ذل ومهانة يلقاها كل تابع مفرط في موقفه المستقل غير عابئ بقيمة استقلال وطنه.
ويرتبط بفصل الفتنة اللبنانية الجديدة درس نكبتنا الكبرى في فلسطين التي ضاعت واغتصبتها عصابات صهيونية منذ 60 عاماً، لم نحقق نحن العرب أي طفرة على طريق المواجهة وتحرير الأرض، ولم نكسب شيئاً ذا قيمة من مسيرة التسوية الأميركية، بل غرقنا في بحر متلاطم من الفتن والخلافات عصفت بوحدتنا الوطنية، وفرقتنا دولاً وأحزاباً وشعوباً، فلا سلام تحقق ولا مقاومة بقيت على عنفوانها وزخم التأييد الشعبي الظهير لها.
بل تحولت المقاومة في أحيان كثيرة إلى عبء، وجهد مهدر في ظل غياب رؤية استراتيجية أو إجماع وطني، بعد أن فعلت التدخلات الأجنبية مفاعيلها، وأثمرت نمطاً جديداً من الولاءات الخارجية التي تعلو على الولاء الوطني والقومي، رغم أن الولاءات للأجنبي واهية مثل بيت العنكبوت، كونها تستند إلى مصالح وتحالفات مشبوهة ، حتى لو تخفت خلف شعارات براقة مضللة مثل «إشاعة الديمقراطية».
على الجانب اللبناني ومن أتون الفتنة، تظهر ضرورة السرعة في لملمة الأزمة وتطويق نيران الفتنة قبل أن تمتد النيران لتحرق كل حقول الأمل والاستقرار العربي «الهش» أو المهدد دوماً بتحديات وتدخلات أجنبية. ونقطة البدء يجب أن تكون عربية عابرة لأي انحياز لطرف دون آخر، فالحياد والنزاهة شرط أولي لنجاح أي وساطة أو جهد للحل السياسي، حتى لا يتم تكريس حالة الاستقطاب المذهبي التي يسعى لها أعداء أمتنا العربية.
في هذا الإطار يجب أن نشيد بالدعوة التي أطلقها مجلس التعاون لدول الخليج العربية على لسان أمينه العام ومناشدته كل الأطراف اللبنانية أن يغلبوا المصلحة الوطنية على كل ما عداها، وأن يوقفوا التصعيد والشحن والمواجهات، وأن يعودوا إلى مائدة الحوار الوطني.
بالمثل جاءت دعوة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي قطع زيارته إلى العاصمة الأميركية واشنطن، بعد أن أجرى مشاورات مع وزراء الخارجية العرب، والقيادات اللبنانية لقطع الطريق على النافخين في بوق الحرب الأهلية. وهو الأمر الذي أثمر دعوة عواصم عربية إلى عقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب.
والشاهد أن الوقت الآن ليس لتحديد مسؤوليات كل طرف بل البدء فعلياً بإعادة الوضع إلى ما كان عليه صباح السابع من مايو لغلق طريق العودة إلى الحرب الأهلية. وينبغي أن يدرك الجميع أنه ما لم يتجه الوضع إلى بداية حل سريع وعاجل فإن حرب الفتنة قادمة لا محالة.
