تحدد المرحلة التي يمر بها أي مجتمع من المجتمعات سياقاته الاجتماعية والسياسية والثقافية، كما وتعكس الشخوص البشرية والرموز السياسية ولربما القيادات الوظيفية البارزة للعيان طبيعة المرحلة التي يمر بها المجتمع.

وتلجأ بعض الدول والمجتمعات لأسباب متعلقة بالظرف التاريخي والسياسي الذي تمر به إلى إبراز شخوص بشرية تخدمها التوجهات المرحلية والانكفاءات السياسية للبعض في أن تكون في صدارة العمل السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي وهي وإن تصدرت العمل والقيادة الوظيفية إلا أنها لا تمتلك في ذلك المقومات المعرفية والمهارات المهنية إلا الشيء القليل أو أنها لا تمتلك مثل ذلك على الإطلاق.

وقد تكون الكفاءة الوحيدة التي تمتلكها هي في قدرتها الفائقة على النفاق وعلى قلب الحقائق رأساً على عقب ولا ننسى في ذلك قدرتها على تزيين الخطأ في أعين متخذه. فهي شخوص وقيادات جيء ببعضها لتلعب مثل هذه الأدوار وهي قد لا تملك على أن تكون في مواقعها في حالة ما إذا كانت مجتمعاتها تمر بقدر متوازن ومستقر من العلاقات السياسية والمجتمعية.

وفي المجتمعات التي تواجه معضلات سياسية أو أنها تمر بحالة من حالات «الشد» السياسي أو الاجتماعي حول حصص توزيع المنافع والمكاسب المجتمعية أو تلك التي تدور حول من تذهب أو حول قضايا أو مسائل المشاركة السياسية واختلاف الرؤى حول افقها أو المدى الذي يفترض أو يجب أن تذهب إليه أو ان تكون عليه وحول حصص الأفراد والجماعات في العملية التشاركية.

وهي حالة يلعب أدوارها أناس من الداخل أو الخارج فالدول بشكل عام حتى الغربية منها تمتلك تراكم من الخبرات وترسانة بشرية ذات قدرات فائقة على رسم الصورة الوردية غير العاكسة للواقع للحالة السياسية والاقتصادية ولربما للدولة، وهي حالة ليست ممثلة فحسب لمن هم في مركز السلطة وإنما يشمل في ذلك من هم في هامشها أو معارضين لها.

وكلنا يعرف انه كما تستند السلطات في المنطقة العربية والإقليمية في عملها على انتقال هذه الخبرات العربية والأجنبية فإن الأحزاب السياسية هي الآخرى تعتمد في عملها على انتقال الخبرات الفكرية والأيديولوجية والتنظيمية لفروعها من الدول الأخرى لأطرافها الخليجية وهي حالة كانت معروفة في السابق بين التنظيمات اليسارية العربية قبل الأفول .

وهي فاعلة الآن في أوساط الجماعات الإسلاموية الخليجية والتي نتيجة لضعف كوادرها القيادية المحلية المختلفة على المستويين التنظيري والتنظيمي، فإنها باتت تعتمد في تشكيلاتها الحديثة وفي تنظيراتها السياسية والفكرية على خبرة التنظيمات الأم في مصر وبلاد الشام وقد تخدم أحياناً سياسة الركون لمعادلة الموازنة رغم ارتداداتها الخطيرة على النظام والدولة، بعض جماعات الإسلام السياسي المحلي( الخليجي) في ترتيب بناها التنظيمية الداخلية..

وتزخر تحديداً الوسائط الإعلامية ومواقع الشبكة العنكبوتية بكتابات عديدة بعضها يستند إلى العقل والمنطق، وبعضها الآخر قد لويت أذرع منطقه بالصورة التي تخدم صاحبها أو جماعته التنظيمية.. كما ملأت الساحة بأصوات وأقلام لم يكن لها مهنة أخرى فجربت الكتابة ففُتحت لها الأبواب، بل ان الكتابة في بعض صحف المنطقة قد أصبحت في بعض حالاتها مهنة من لا مهنة له. بعض هذه الأقلام أو الأصوات ليس لها من أمر إلا توتيرا لنسيج الاجتماعي.

والغريب في الأمر ان منطق هؤلاء تطرب له العامة سواء أطلوا علينا من فضائياتنا المحلية أو في حالة المعارضة من فضائيات الغير، أو أطلت علينا كتاباتهم في صحفنا المحلية أو من خلال مواقعهم الإنترنتية. ويتسم خطاب هؤلاء بدجماتية هزيلة وهم في هذا يتساوون من حيث ضعف الخطاب وهلاميته سواء أكانوا من المدافعين عن الدولة أو أولئك المنتقدين لها. فكلا الاثنين يتساوون في حقيقة خطورة إطلالتهم التعبوية على النسيج الاجتماعي الداخلي لمجتمعات المنطقة.

واعتقد أن هناك خللاً ما في موقع ما في عقل من يقبل بهذا المنطق أو أن يبرر مثل هذا العمل. فبعض من يطل علينا في بعض القنوات الفضائية الخارجية منتقدين للدولة لا تقل دجماتية خطابهم أو بالأحرى تعاسته عند البعض الذي بدا مدافعاً عن الدولة.

وإن جوهر منطق هؤلاء جميعاً يقوم على استفزاز الآخر أو النيل منه ولربما قد يمتد هذا للتشكيك في أمر «ولاءات» البعض، وهو قول يماثل قول الطرف الآخر عن «الولاء المفرط» عند الجماعة أو الجماعات المقابلة. إلا أن مصاحبات مثل ذلك على المجتمع أكبر بكثير من «الشعور بالنصر».

والقول هنا عن الولاء أو عدم الولاء إن هو إلا قول قد قصد منه إضعاف الآخر سياسياً، وهو في هذا لا يعبر عن الولاء كحالة وطنية بقدر ما يعبر عن توظيف المفهوم من قبل الجماعات المتصارعة لتحقيق مكاسب سياسية لها أو لأفرادها في مجتمعات مازالت الولاءات التقليدية قادرة على أن تشكل توجهات واتجاهات أفراده. وفي غياب أو تلكؤ استواء مجتمع المواطنة فإن الولاء بمفهومه التقليدي بدا ماسكاً بمفاصل المجتمع.

كنت دائماً اعتقد ان منطق الدولة يجب أن يكون أكبر وأرقى من منطق الآخرين لأن الدولة عليها مسؤولية أن تكون القدوة وليس الآخرون. بمعنى أن تأسس الدولة لمنطق مختلف عن المنطق الذي قد نسمعه في الفضائيات والصحف الشمولية أو تلك المحسوبة على أطراف سياسية عربية أو دول إقليمية. فما الذي يمكن أن تضيفه زوبعة صحافية أو إطلالة فضائية مزوبعة على الدولة من حيث رؤاها ورجاحة حجتها.

وإن من يقف مع الدولة كنتيجة لما قد يعطى له سرعان ما سينقلب عليها إذا ما شعر أن مثل هذه الحصة هي مهددة بالانكماش. لذا فإن الكاسب من إثارة الصراع وحالة «الشد الاجتماعي والسياسي» سيجد في أي خطوة تقدم عليها الدولة لتحقيق قدر أكبر من التوافق السياسي أو إدماج البعض في العملية السياسية تهديداً لمكاسبه وسيحول دون تحقيقها، وهي مسألة يجب ألا تقعد الدولة عن مواصلتها بل والعمل الحثيث على تحقيقها.

كاتب بحريني