أعلن الرئيس بوتين - المنتهية ولايته - خلال زيارته إلى طرابلس مؤخرا عن إعفاء ليبيا من ديون مستحقة للاتحاد السوفيتي، والتي تزيد قيمتها عن 5. 4 مليارات دولار أميركي.وكانت ليبيا تحتل المرتبة العاشرة بين دول العالم المدينة لروسيا كوريثة الاتحاد السوفيتي.وسبق أن شطبت روسيا ديون دول عربية أخرى، من بينها العراق الذي أعفته روسيا من ديون قدرها 12 مليار دولار.

واعتبر وزير المالية الروسي كودرين أن شطب الديون العراقية أتاح لروسيا فرصة لاستثمار أموالها في العراق. كما أعفت موسكو الحكومة السورية من سداد حوالي 80% من ديون سوريا المستحقة السداد، وتم شطب أكثر من أربعة مليارات ديون جزائرية مستحقة السداد أيضاً منذ عامين.

مما لاشك فيه أن التعاون مع البلدان العربية يعتبر أمرا حيويا بالنسبة للمصالح الروسية التي لم تتراجع في المنطقة، ولم يتقلص موقعها في أعمال الدبلوماسية الروسية، كما هو عليه الحال بالنسبة لبقية الدول التي ارتبطت بمصالح وعلاقات تعاون مثمر مع مختلف الدول العربية على مدار سنوات طويلة.

وكان متوقعا أن تكون خطوة شطب الديون العربية المستحقة السداد لروسيا خطوة نحو مزيد من التعاون الاقتصادي، باعتبار أن تقارب المواقف السياسية قد حقق بالفعل مستوى متميزا من التنسيق والتعاون في مختلف قضايا السياسة الدولية والإقليمية.

إلا أن البيانات الرسمية تكشف أن هذا الطموح لم يتحقق، ومازال حجم التعاون الاقتصادي الروسي ـ العربي يعاني من معوقات، تجعله فاقد الأهمية بالنسبة للجانبين، وتكشف البيانات الرسمية عن أن حجم التبادل التجاري بين روسيا والدول العربية لا يزيد على 6. 9% من إجمالي صادرات روسيا، بينما تقدر الصادرات العربية إلى روسيا بحوالي 3%.

كما أن حجم تجارة إقليم موسكو الخارجيةـ البالغ أكثر من 33 مليار دولار أميركي ـ يشهد تراجعا مع البلدان العربية، حيث بلغ في أواخر عام 2005 حوالي 2. 9% من إجمالي تجارة العاصمة الروسية. وبعد أن كان متوقعا أن يصل حجم رؤوس الأموال الروسية المستثمرة في العراق إلى 4 مليارات دولار.

وأن يتم استثمار ثلاثة مليارات دولار في سوريا، وتم توقيع اتفاقية تعاون عسكري مع الجزائر بقيمة سبعة مليارات دولار، توقفت هذه الاتفاقات، واقتصرت لقاءات القمة العربية-الروسية على توقيع اتفاقيات تعاون وعقود نوايا لا تنفذ.ولم تعد العلاقات مع الدول العربية تحقق منفعة متبادلة.

بقدر ما أصبحت عبئا سياسيا.لأن العرب غالبا ما يطلبون مساعدات ودعما سياسيا دون أن يفكروا في المقابل، في نفس الوقت الذي تتوسع فيه استثماراتهم في أوروبا والولايات المتحدة لتصل لعدة مئات من مليارات الدولارات. وفى الوقت الذي تقدمت فيه شركة لوك أويل في العراق بمساعدات كبيرة لقطاع النفط العراقي بدءا بتنظيم دورات تدريبية للفنيين العراقيين القادمين في منشآت «لوكويل» في غرب سيبيريا حيث تم تدريب أكثر من 500 خبير عراقي خلال السنوات الثلاث الماضية.

والتحاق 86 طالبا عراقيا بالدراسة (في جامعة روسيا للنفط والغاز، وجامعة اوفا التقنية)، مرورا بإرسال شحنات مساعدات إنسانية، وانتهاء بتوريد المشتقات النفطية للعراق خلال عام 2004. إلا أن الحكومة العراقية مازالت ترفض الاعتراف بعقد استثمار حقول (القرنة الغريبة-2) الذي وقعته إدارة شركة «لوك أويل» مع حكومة صدام في عام 1997.

أما الجزائر فقد جمدت توريد شحنات المعدات العسكرية والطائرات التي تم التعاقد عليها مع موسكو، بحجة عدم توفر المواصفات الفنية المتفق عليها، ورفضت شركة النفط والغاز الجزائرية «سوناطراك» أن تشارك شركة «غازبروم» في مشروع مد خط أنابيب جديد لنقل الغاز في الجزائر باعتبار أن مدة مذكرة التعاون التي وقعت منذ عامين مع هذه الشركة قد انتهت.

وجاءت هذه القرارات بعد لقاءات جزائرية أوروبية، كان رد فعل الجانب الفرنسي على اتفاقات التعاون العسكري قويا، وواجهت الجزائر ردود فعل أوروبية على مذكرة التعاون مع «غاز بروم». ولا يخفى على العديد من المراقبين أن قيام موسكو بشطب الديون العربية لم يكن أكثر من الإقرار بواقع لا يمكن تصحيحه، بعبارة أخرى أن هذه الديون غير قابلة للسداد.

وقد يكون الرد بأن روسيا باعتبارها الوريث المعترف به لالتزامات الاتحاد السوفيتي لم تتهرب من سداد ديونها التي وصلت لأكثر من مئة مليار دولار، ولكنها تعاني من صعوبات في الحصول على ديون الدول الأخرى للاتحاد السوفيتي، بالتأكيد معادلة مقلوبة أو وحيدة الطرف.

ومع ذلك قرار موسكو بشطب الديون لم يكن شكليا كما يروج البعض لأن هذه الديون تراكمت عبر تنفيذ عقود رسمية لم يسدد الطرف الأخر التزاماته المالية فيها، وقد وضع المجتمع الدولي أدوات وآليات لاستعادتها. وعلى آية حال قرار شطب الديون جاء خطوة على طريق التقارب وإثبات حسن النوايا والرغبة في التعاون، وجاء أيضاً في سياق تقارب سياسي، وتعتبر الأطراف العربية أن هذا التقارب لابد وأن يقابله ارتقاء بمستوى التعاون الاقتصادي.

وتشعر قطاعات عربية باستياء من تقارب روسيا مع إسرائيل، بالرغم من إقرارهم بأن العالم يقوم اليوم على المنفعة المتبادلة، وبالرغم من معرفتهم بأن حجم التبادل التجاري بين روسيا وإسرائيل يزيد عن 3 مليارات دولار، ما يقارب إجمالي حجم التبادل التجاري الروسي ـ العربي.

هذا الوضع يفرض على الأطراف العربية والروسية إعادة النظر في مساعيها وأدواتها لتطوير التعاون والارتقاء بالعلاقات الاقتصادية، إذا توفرت الرغبة، واتخذ القرار بأهمية تحقيق هذه النقلة في التعاون بين موسكو والعواصم العربية.مما لاشك فيه أن هذا التعاون سيعود بالمنفعة على كافة الأطراف المشاركة فيه، ومن المؤكد أن روسيا حريصة على تطوير التعاون والتنسيق مع الدول العربية،لأن هذا التعاون يحقق مصالحها الحيوية.

وخلافا لأسلوب تعاون الغرب مع دول العالم الثالث، والذي يستخدم هذا السبيل لفرض هيمنته على اقتصاديات الدول النامية، فإن رؤية موسكو للتعاون الاقتصادي والسياسي لم ولن تتضمن تعاونا مشروطا أو يسعى لفرض هيمنة من أي نوع، وإنما تعاون يستهدف مصلحة الأطراف المشاركة فيه. وذلك ليس فقط لأن هذا التعاون يعود بالمنفعة على روسيا، وإنما لآن التعاون المتكافئ والذي يراعى مصالح كافة المشاركين فيه هو السبيل لبناء عالم متعدد الأقطاب.

مركز دراسات الطاقة - روسيا