في زمن تغيب فيه قوة الحق والقانون ويسود فيه قانون الغاب، يصبح من يملك القوة هو صاحب الحق، ومالك القوة هو صانع القانون، وأوضح مثل على ذلك هو ما جرى ومازال يجري من صراع على أرض فلسطين بين قوى الحق وقوى الباطل وبين قوة القانون وقانون القوة، وهو ما شكل محورا لصراع عربي صهيوني>
ومحورا لانقسام القوى الدولية بين من يؤيدون الحق ومن يؤيدون الباطل، ومن يطالبون بفرض القانون ومن يسعون ليس فقط إلى رفض القانون بل واختطاف ملف القضية خارج الشرعية الدولية في محاولة لفرض الاستسلام العربي والفلسطيني لشروط السلام الصهيو أميركي أو لتمرير تسويات غير عادلة لتصفية القضية خارجة عن القانون الدولي والإنساني.
وحيث لاحق بلا قوة تسانده ولا قانون بلا قوة تطبقه فعندما يختل ميزان القوة الدولية لغير صالح الحق يختل ميزان العدالة الدولية فيصبح الباطل هو القوة، والقوة الغاشمة هي القانون، وفي كل الأحوال تصبح القوة هي الأساس لإحقاق الحق أو للخروج على القانون، سواء لنيل الحقوق ولفرض القانون أو لاغتصابها بغير الحق وضد القانون>
وفي ظل غياب الاعتراف بالحق وقوة القانون، تصح المقولة الثابتة بأن ما اغتصب بالقوة لا يمكن أن يعود بغير القوة وليس بالتنازل عما نملك من أسلحة القوة، وفى ظل منطق القوة لا قوة المنطق، فإن ما فرض على الأرض بالقوة لا يمكن تغييره إلا بالمقاومة وليس بمحاولات نزع سلاح المقاومة.
ولا يغيب عن فكر أحد أن الاستعمار الانجليزي والفرنسي والإيطالي احتل بلادنا بالقوة ولم يخرج أبدا بالرضى أو عن طيب خاطر بل بالكفاح وبالمقاومة بكل أشكال الكفاح وبكل وسائل المقاومة لعشرات السنين، والصهاينة لم يغتصبوا أرض فلسطين ولم يطردوا شعبها خارج ديارهم، إلا بإرهاب القوة وبغطاء من قوة الاحتلال البريطاني>
ولم يعلنوا دولتهم بالمخالفة للقرار الدولي الذي كان ينص أيضا على قيام دولة عربية في فلسطين إلا بتواطؤ القوى الدولية الكبرى.. ولم تتوسع على الأرض الفلسطينية والعربية إلا بالحروب واستخدام القوة الصهيونية المدعومة بالقوى الغربية وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية.
ولقد مر الصراع العربي الصهيوني بعدة مراحل متباينة تالية لعدة حروب بدءا بحرب 48 ومرورا بحرب 56، و67، 73، واتسمت طبيعة كل مرحلة بنتائج الحرب التي سبقتها وموازين القوى التي شكلتها والواقع على الأرض فيما بعد كل حرب، غير أن الغريب أن المواقف العربية في ظل الهزيمة العسكرية كانت أقوى بفعل العزيمة السياسية مما كانت عليه بعد الانتصارات العسكرية بفعل الانقسام العربي وتراخي الإرادة السياسية.
فما رفضه العرب بعد هزيمة 67 في الخرطوم باللاءات الثلاث (لا صلح ولا اعتراف ولا تصرف بالقضية الأصلية ولا تنازل عن الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني)، قبل بعضهم به بعد نصر 73 بالنعمات الثلاثة ( بالصلح والاعتراف والتصرف بالقضية الأصلية والدعوة للسلام مع إسرائيل على أساس اختزال القضية الفلسطينية في حدود 67 )، أي الاستعداد العربي للقبول بخُمس فلسطين فقط، ونعترف لإسرائيل في الحق باغتصاب أربعة أخماس فلسطين !!..
والأكثر مهانة أن إسرائيل وأميركا لا تقبلان حتى الآن بل تطلبان المزيد من التنازلات!! وبدلا من مراجعة الموقف العربي ومن السعي لامتلاك القوة لمواجهة القوة بالقوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية وبالمقاومة السياسية والعسكرية والإعلامية، تحولت بعض المواقف العربية ليس فقط إلى السلام مع إسرائيل بل إلى ما هو عكسي بالتنازل الطوعي عن كل أسلحة القوة، بالتخلي عن سلاح العرب الأقوى وهو وحدة المواقف العربية>
ووحدة القوى الوطنية إلى تلك الصورة المؤلمة من الانقسام القومي والانقسام الوطني بفعل فاعل.. بل الأكثر إيلاما بتقديم بعض القوى المرتهنة المكشوفة الوجه خدمات مجانية ومأجورة بثمن بخس لإسرائيل وللمشروع الصهيو أميركي على حساب الثوابت في المبادئ والحقوق الوطنية والقومية إلى حد التعاون مع إسرائيل وأميركا لحصار وضرب قوى المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق بما يضر المصالح الوطنية والعربية على السواء