ما شهده لبنان، في الساعات الـ 48 الأخيرة، وضع البلد على شفير الهاوية؛ كما لم يسبق من قبل. التطورات التي توالت والمواجهات المسلحة التي وقعت، حملت معها شبح الفتنة. زاد المخاوف أن التحذيرات التي صدرت من الضفتين؛ ومن مواقع ومقامات عالية ومؤثرة، أضفت هي الأخرى ما يشير إلى أن الأزمة تسارع الخطى نحو حالة من القطيعة، المحكومة بالتصادم، في آخر المطاف.
لاسيما وأن هذه التحذيرات أخذت طابع الإنذارات مع ما رافقها من رسم للخطوط الحمراء؛ وما استتبع ذلك من ردود موازية؛ أدت كلها إلى زيادة توسيع الشرخ المصاب به الجسم السياسي اللبناني. وقد فتح هذا الوضع المتفجّر الأبواب على فوضى تزيد من صب الزيت على النار، الأمر الذي يهدّد باحتمالات اندفاع المواجهة نحو السعي إلى تغيير «قواعد اللعبة»، على الأرض، من قبل هذا الجانب وذاك.
يعزز هذا الاحتمال، ما أعلنه الطرفان عن تمسك كل منهما بخطواته أو شروطه؛ وعدم استعداده للتراجع عنها، تحت أي ظرف من الظروف. وفي ذلك وجبة تعقيد جديد، مفتوح على المجهول، الذي طالما تخوف اللبنانيون من وصول المأزق إليه. وبذلك يبدو لبنان الآن وكأنه يقف عند نقطة، تلاشى فيها هامش الحركة؛ بحيث لم يعد هناك سوى واحد من احتمالين: إما التراجع السريع عن الحافة؛ وإما الاندفاع إلى القاع.
اللعبة انتهت إلى الاختيار بين الاثنين. فرصة الاستدراك لا تزال قائمة. لكن فسحة الوقت ضاقت إلى آخر حدودها. هذه الجولة، تبدو أنها قد تعدّت كونها حلقة أخرى من حلقات لعبة العض على الأصابع، الدائرة فصولها بين الفريقين؛ منذ حوالي السنتين.
وعلامة الخطر الكبير هنا، هي أن الصراع انتقل إلى الشارع؛ وأن ما وقع في اليومين الأخيرين، لا يبدو سوى عيّنة مصغرة عن الآتي الأعظم؛ وذلك في ضوء التصريحات والاستعدادات والتوعدات المتلاحقة والصادرة من كل صوب. الكلام العالي الذي تردّد والسقف الأعلى، الذي رسمته الأطراف، لم يطلع إلى العلن والتداول، بهذا الوضوح، من قبل.
حتى في أوج التأزم والانسداد. شريط الأحداث، مع الخطاب الذي رافقها، أعاد التذكير بكابوس الحرب الأهلية، التي كان الاعتقاد بأنها لن تكون من زوّار لبنان، بعدما طويت صفحتها، في أواخر الثمانينينات. اللحظة اللبنانية الراهنة تشير، بلا التباس، إلى أن البلد بلغ مأزقه نقطة الحسم؛ إما التوافقي وإما التصادمي. المراهنة على حرق الوقت، لم تعد واردة. ماعون الاحتقان طفح.
والأوراق التي كان يجري إخفاؤها تكشفت. وبهذا بات اللبنانيون أمام لزوم اتخاذ القرار النهائي، في هذا الاتجاه أو ذاك. لا ثالث بينهما. في تاريخهم القريب ما يشرح لهم كفاية، عن ويلات المجابهة. تركتها ما زالت معهم حتى اليوم. صورها لم تغادر الذاكرة بعد.
لقد جرّبوا السير طويلاً، على هذه الطريق والمفترض أن يكونوا قد استوعبوا الدرس. وعلى القيادات، جميعها، مسؤولية الاحتكام إلى هذا الدرس، بصرف النظر عن الحسابات السياسية، بأرباحها وخسائرها؛ الآنية واللاحقة منها. ما هو واجب الوجوب الآن، هو عدم تفويت فرصة ربع الساعة الأخير، للابتعاد عن الحافة. فالتنازلات والتسويات هي من الفضائل، في هذه اللحظات.
