قلنا في مقال يوم أمس إن النمو الاقتصادي في الدولة وما نتج عنه من فرص عمل كثيرة في قطاعات مختلفة دفع بالعديد من الشباب للانتقال من عمل إلى آخر بحثاً عن راتب أعلى ومميزات وحوافز أكثر وان كان ذلك على حساب الاستقرار الوظيفي والتمكن في الأداء واكتساب الخبرة الكافية للعمل في مؤسسة أخرى، وقلنا انه يمكن اعتبار هذا الوضع إحدى سلبيات النمو الاقتصادي السريع الذي لا تنعكس آثاره على الفرد وحده بل تتعدى ذلك الدولة ومؤسساتها.

اعتقد بعضهم حديثنا في هذه المسألة موقفاً مضاداً لموظفين يبحثون عن فرص أفضل في العمل والحوافز والمميزات التي تقدمها لهم المؤسسات الأخرى غير التي يعملون فيها. لكننا نؤكد على أننا لسنا ضد أية مكاسب تصب في صالح الفرد، ولسنا ضد تغيير مجال العمل متى ما شعر الموظف بنفسه قد وصل إلى مرحلة التشبع وعدم القدرة على الإبداع.

وفي حال سيطر الروتين على عمله وغابت التحديات الحقيقية في بيئة عمله، ولو كانت الفئة التي نتحدث عنها ممن وصلت إلى مرحلة التشبع الوظيفي لما شعرنا بقلق، لكن القلق يقع في نفوسنا لأن غالبية المتنقلين بين عدد من الوظائف وفي فترات زمنية متقاربة هم من الموظفين الشباب، حديثي التعيين، ممن لم يصلوا إلى درجة التشبع ولا إلى درجة التمكن في وظائفهم، لكن الإغراء المادي وحده في الغالب أصبح المتحكم في تنقلاتهم وتغيير وظائفهم خاصة بعد أن قدمت بعض الحكومات المحلية رواتب ضخمة لموظفيها وان كانوا خريجين، تفوق رواتب من عملوا في مؤسسات أو دوائر محلية لمدة تزيد أحيانا على العشر سنوات.

وفي هذه الحالة لا يبقى أمام المؤسسات والدوائر والشركات سوى استسلامها أمام رغبات موظفيها المستقيلين خاصة إن كانت ترى انه لا حاجة حقيقية لتعديل أوضاعهم، والنتيجة خسارة وقت وجهد وميزانيات على تأهيل غيرهم.

النمو الاقتصادي الكبير والسريع لا يعني أن يسبقه نمو الأفراد في وظائفهم بشكل مطرد وربما أسرع أحياناً على حساب الخبرة والمهارة والمؤهلات، فإذا كان الجميع يتحدث اليوم عن مخاوف حول هذا النمو الاقتصادي المشوب بقلق نحو سلبيات يدفع المجتمع ثمنها، فإن مساحة القلق لابد وان تتسع عندما نتحدث عن موظفين أصبح كثير منهم يجرون في سباق الترقيات والحوافز المالية التي لا تجعلهم يسيرون وفق جداول زمنية تتناسب وخبراتهم وقدراتهم.

وهو الأمر الذي قد يجعل التنمية تمر بمنعطف خطير نتيجة عدم أهلية وقدرة المساهمين في هذه التنمية، ونتيجة إنفاق كثير من الوقت والجهد والمال في التأهيل والتدريب، وهو ما يطرح تساؤلات في غاية الأهمية: كيف نثق بعطاء موظف ربما تنقل خلال عشر سنوات بين أكثر من أربع جهات عمل، وفي إدارات وتخصصات ومهام مختلفة؟ وهل قطار التنمية في الدولة والمتسم بسرعته التي ربما تفوق البرق يتحمل إهدار هذا الوقت كله وإضاعته؟

إن الاستقالات والتنقلات المتكررة بين مختلف المؤسسات والتقاعد المبكر من قبل المواطنين للتفرغ لإدارة الأعمال وتحقيق أحلامهم بالثروات أمر لا يصب في صالح المواطن ولا في صالح المجتمع، ولابد من دراسة الأسباب بعمق اكبر ووضع حلول ناجعة يمكنها عقلنة طموح صغار الموظفين، والدفع بهم نحو تطوير الأداء وبذل المزيد من الجهود مع قدر كبير من الصبر، لحين تأتي المرحلة التي يصلون فيها إلى ما تطمح إليه نفوسهم دون إلحاق ضرر بأنفسهم أو بمصالح الوطن من خلال استقالاتهم وتنقلاتهم اللامدروسة.

أما متى وكيف يتم تباحث هذه المسألة فذلك نتركه لأهل الاختصاص الذين يمكنهم وضع حد لهذه الظاهرة قبل فوات الأوان.

maysaghadeer@yahoo.com