رغم المحاذير التي أطلقها العديد من المفكرين والهيئات ضد تطبيق سياسات التكيف الهيكلي والخصخصة في العديد من الدول العربية منذ بداية الثمانينات وحتى الآن، إلا أن الكثير من هذه الدول مثل مصر والأردن ودول المغرب العربي قد طبقت هذه السياسات.

وأطاعت روشتات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بشكل كامل. لقد فرضت هذه الهيئات الدولية تطبيق سياسات التحول الاقتصادي والانتقال الكامل من تدخل الدولة في السياسات الاقتصادية إلى توسيع دائرة القطاع الخاص، والسماح له بالسيطرة والهيمنة على معظم جوانب المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، بما فيها تلك السلع الاستراتيجية التي تهم المواطن العادي مثل التعليم والصحة والمواصلات والغذاء والمسكن.

لقد انتهجت دولة ما بعد الاستقلال في النصف الثاني من القرن العشرين برامج تنموية اجتماعية واقتصادية هائلة أفادت قطاعات كبيرة من السكان محدودي الدخل والفقراء على السواء. ورغم ما ارتبط بهذه البرامج من دعاءات أيديولوجية مختلفة فإن الأمر الذي لا يمكن إنكاره أنها أفادت قطاعات كبيرة من السكان، ووفرت الحدود الدنيا من الحياة الكريمة أو شبه الكريمة لملايين البشر.

ومن اللافت للنظر أن الكثير من الدول العربية استفادت من العالم ثنائي القطبية إبان الحرب الباردة، الأمر الذي أعانها على متابعة برامجها التنموية وتجنب الهزات الاقتصادية الحادة. كما أن هذه الأنظمة العربية التي اتسمت في ذلك الوقت بالشمولية كانت تخاف على رصيدها الشعبي الأمر الذي جعلها تتابع تلك البرامج رغم الكثير من السلبيات التي اكتنفتها.

ومع بداية الثمانينات وما تلاها، وبشكل خاص مع انهيار الاتحاد السوفييتي والسيادة الأميركية على العالم، فرضت الولايات المتحدة عبر مؤسساتها الدولية التابعة لها الليبرالية الاقتصادية نهجا للعالم. ولم يبتعد التفكير السياسي الغربي عن الأجندة الاقتصادية، فقد كان كتاب فوكوياما «نهاية التاريخ» تدشينا سياسيا وأيديولوجيا للخطاب الاقتصادي. ولقد جاءت روشتة البنك الدولي بالتعاون مع صندوق النقد واضحة وفاصلة في هذا السياق من أجل رفع يد الدولة تماما عن كافة الأنشطة الاقتصادية وتسليمها للقطاع الخاص على طريقة «دعه يعمل، دعه يمر».

اشتملت الروشتة على العديد من الإجراءات مثل تخفيض الدعم الاجتماعي على الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والغذاء، والسماح للقطاع الخاص بالبدء في قيادة القطاعات الاقتصادية بما فيها القطاعات التي تتعلق بحياة المواطن العادي وأموره المعيشية. كما اشتملت الروشتة على تخفيض برامج المساعدات الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجا، وتقديم تسهيلات واسعة في الوقت نفسه لرجال الأعمال وللقطاع الخاص.

ويمكن القول ان الدولة تفرغت وفقا لشروط البنك الدولي وصندوق النقد للجوانب الأمنية والعمل كوسيط للقطاع الخاص وللمؤسسات الدولية المختلفة. فالوظيفة الأساسية التي ركزت عليها الدولة في الكثير من الدول العربية تمثلت في العمل كوسيط مع شلة من رجال الأعمال الذين جمعوا بين السياسة والاقتصاد، لدرجة أن المسافة لم تعد واضحة تماما بين الدورين السياسي من ناحية والاقتصادي من ناحية أخرى. وفي ظل رفع الدولة يديها بشكل كامل عن أدوارها الاجتماعية ارتفعت معدلات الفقر في الكثير من الدول العربية، وهو الأمر الذي ظهر جليا أثناء أزمة الغذاء العالمية الحالية.

فالدولة استسهلت على ما يبدو صمت الفقراء والتذمر البطيء من جانب الطبقة الوسطى التي تآكلت في العقود الثلاثة الأخيرة بشكل غير مسبوق. ويمكن القول إن الدولة قامت باستهلاك كل من الطبقات الوسطى والفقيرة على السواء منذ أن رفعت يديها عن الأدوار التنموية الحقيقية المرتبطة بها، ودخلت من أوسع الأبواب في سبيل دعم رجال الأعمال وتطبيق ما تفرضه المؤسسات الدولية.

ولسنا ضد تدعيم رجال الأعمال الوطنيين ومساندتهم وتقديم كافة التسهيلات المادية والمعنوية لهم، لكننا ضد سيادة نمط من رجال الأعمال لا يرى سوى مصالحه الذاتية الضيقة، في الوقت نفسه الذي يستفيد فيه من التسهيلات المختلفة الهائلة المقدمة له مثل الإعفاءات الضريبية والقروض الهائلة والأراضي الرخيصة وأسعار الخدمات الرخيصة مثل الكهرباء أو الماء. بل إن العديد من رجال الأعمال في هذه الدول حصلوا على المليارات من القروض وهربوا بها دون أن يسددوا ما عليهم، رغم أن هذه القروض هي حاصل مدخرات الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى الذين أهملتهم الدولة وأدارت لهم ظهرها.

ورغم الصمت طويل المدى الذي ارتبط بتلك الفئات والشرائح الفقيرة إلا أن الأوضاع وصلت لمستويات غير مسبوقة من الإفقار وتدهور ظروف المعيشة.

فلم يعد الأمر يرتبط فقط بعدم القدرة على الحصول على تعليم جيد أو القدرة على تحمل تكاليف العلاج الباهظة أو التعامل مع وسائل النقل غير الآدمية، لكنها انتقلت لمستويات بالغة من التدهور تتعلق بصعوبة الحصول على مستوى غذائي لائق، وهو الأمر الذي انعكس على ارتفاع نسبة الأمراض وتفشي الأنيميا الحادة.

عندما تصل الأوضاع لمثل هذا المستوى من التدهور تصبح الأمور سواء بالنسبة للمواطن العادي غير المسيس، ويصبح المنفذ الوحيد المتاح أمامه إما الجريمة أو الخروج للشارع والتعبير بالفوضى أمام كل الرموز الرسمية التي تعبر عن الدولة وتمثلها.

وخطورة هذه الفوضى أنها مرتبطة بالجياع والمحتاجين البعيدين كل البعد عن التأطير والأدلجة السياسيين، فهؤلاء ينزلون إلى الشارع وهم مشحونون بالغضب والكراهية والحقد، وفي معظم الأحيان بالجوع الذي يسلبهم القدرة على التفكير، ويوجههم فقط نحو الانتقام كائنة ما كانت النتائج المترتبة على ذلك. لا نطلب من حكومات هذه الدول العودة الكاملة إلى تطبيق أدوارها الاجتماعية والاقتصادية في مرحلة ما بعد الاستقلال، لكن المطلوب منها تحقيق التقنين الاقتصادي العادل والعاجل في الوقت نفسه.

فمن غير المتصور أن تدفع شرائح اجتماعية بعينها كل الأثمان بينما يحصد رجال الأعمال كل الثمار. ومن الغريب في الأمر أن البعض من هذه الحكومات مازال يتعامل مع الأمر من منظور أمني يتهم المتظاهرين بالغوغائية والإجرام، ولا يحاول أن يغير من برامجه وخططه الاقتصادية التي عفا عليها الزمن، بل ونبذها البنك الدولي وصندوق النقد. لقد آن الأوان لمراجعة اقتصادية شاملة تعيد للدولة هيبتها، وتعيد لها هيمنتها على قراراتها الاقتصادية الوطنية التي لن تتم بدون مشروع سياسي وطني حقيقي يشمل الجميع. فهل تعي هذه الحكومات الدرس قبل فوات الأوان، اللهم بلغت اللهم فاشهد!!

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com