يتحدث الخبراء والاستراتيجيون عن الأمن العربي فيتشعب بهم الحديث في موضوعات كثيرة، ولعل أهم هذه الموضوعات يتصل بالقدرات العسكرية التي تشكل قوة للردع والحماية، ولا تنتهي قبل الحديث عن الأمن الاقتصادي والأمن الغذائي.

ولعل كثيراً من المفكرين والخبراء وربما المواطنين العاديين باتوا يدركون جدية العلاقة القوية بين القوة الاقتصادية والأمن الوطني والقومي، وباتوا يدركون خطورة الشعارات، على أهميتها المبدئية، حين تكون خلواً من المضمون.

فالشعارات الكبيرة الخالية من المضمون السياسي والاجتماعي والحضاري والعلمي هي من دون شك طريق الهاوية المؤكد، لأنها تجعل التوقعات أكبر بكثير من المنجزات الحقيقية التي يمكن أن يلمسها الإنسان، وتجعل الناس في غفلة من أمرهم لا يتعاملون مع الواقع وإنما يتعاملون مع الأوهام.

ولعل كوارثنا التي قصمت ظهر هذه الأمة تعود إلى تعميم الأوهام وغياب لغة العلم والعقل، مما جعل وطأة الحقائق التي اكتشفها الناس فيما بعد ثقيلة على رؤوسهم أصابت كثيراً من المتحمسين باليأس والقنوط.

إن الحديث عن الأمن الوطني والقومي يجب ألا يترك للأمنيات ولا لبلاغة أجهزة الإعلام المختلفة، وإنما ينبغي أن تتضافر جهود المؤسسات العلمية ومراكز البحوث لتقديم المعلومات والأرقام والاقتراحات والتوصيات التي توضع بين يدي الخبراء والاستراتيجيين الذين يقدمون دراسات تفصيلية توضع بين أيدي السياسيين فيما بعد، ليرسموا سياساتهم في المجالات المختلفة على هدي منها. وأمامنا الأمم المتقدمة التي لا تتخذ قراراتها ولا تباشر مهماتها المختلفة دون دراسات وافية تقوم بها جهات متخصصة موثوقة لا تبتعد كثيراً عن المهمات الخاصة المتعلقة بالأمن الوطني والقومي.

وإذا كان الحديث عن الأمن الوطني يبدأ بالأمن الاقتصادي والغذائي فإن نظرة إلى العالم العربي تجعلنا ندرك كم هو الحال مفزع ونحن نرى أن أبسط المتطلبات غير موجودة؛ فمعظم أقطار العالم العربي تعتمد في غذائها على ما يرد من الخارج، لغياب التخطيط في ظل التشرذم والتبعية والأنانية أحياناً، وإن الجهود المبذولة للتكامل الاقتصادي بشأن ردم الهوة بين العرض والطلب في هذا الصدد غير كافية.

وقد تبدو مقتصرة على جهود فردية أو مؤسسية محدودة. إن آلاف الشعارات لا تكفي عن الوطنية والقومية والتحرر والنضال ضد الاستعمار ونحن ننسى أن الأمن الاقتصادي والأمن الغذائي في خطر. وإن العاقل مَن تأمل الواقع وحلل قوانينه ومعادلاته وتنبه إلى حقائقه ووقائعه ومد البصر بعيداً إلى آفاق المستقبل المنظور والبعيد ليقوم بالتخطيط الدقيق على هدي ما يتوقعه لمستقبل الأجيال القادمة بعد أن يستجيب لطموحات الناس في اللحظة الحاضرة.

وإذا كانت الجهود الوحدوية قد فشلت في معظمها، مع الأسف، فشلاً ذريعاً لأسباب لا علاقة لها بتطلعات الشعوب العربية، على اختلاف مكوناتها العرقية والدينية والمذهبية، فإن هذا الفشل كان بسبب من تولوا أمرها بارتجال وعدم تخطيط وفوقية لم تسمح للعقل والعلم والحكمة والمعرفة أن تقود خطاهم لتحقيق هذا الهدف الذي لا يعد هدفاً عاطفياً وحسب، ولكنه هدف يخدم الصالح العام للأمة كلها.

إن الحديث عن شكل من أشكال الوحدة بين أقطار الأمة كلها مطلب واقعي وإستراتيجي، ولعل الذين يقفون ضد هذا التكامل بدعوى عدم الواقعية يتجاهلون الروابط الحقيقية بين أبناء هذه الأمة التي تمزقت بفعل عوامل خارجية كرستها بصورة أبشع وأشد عوامل داخلية لا تسعى إلا للتفرقة والتشظي والتفتت.

إن قوة عملاقة مثل الولايات المتحدة الأميركية لم تستطع أن تصبح الإمبراطورية التي يخشاها العالم من دون هذه الوحدة التي بات يخشاها العالم أجمع، ولا ننسى هذا التكامل بين ولاياتها على المحافظة على الخصوصيات في السياسة والتشريع والاقتصاد وغير ذلك. هذه الوحدة التي تجعل الفرد يشعر بأنه في مجتمع مدني، ولا تشعر ولاية بأنها تحت وصاية ولاية أخرى، مما يذكر بتجارب الوحدة الفاشلة في السابق. ولعلنا لسنا في حاجة إلى التذكير بدول الاتحاد الأوروبي على ما بين هذه الدول من اختلاف بل من حروب مروعة دامية، فقد استطاعت بالعقل وبالوعي وبالمعرفة وتوخي المصلحة أن تقفز على الماضي والحاضر وأن تتوحد تدريجياً على نحو يجب أن يكون أحد النماذج الناجحة التي يمكننا أن نحتذيها.

يجب علينا أن نغلب لغة المصلحة العامة الشاملة، ولن تكون مصلحتنا الإستراتجية إلا في قيام تكامل فعال يحفظ لنا البقاء على هذه الأرض وأن نمكن لأجيالنا القادمة أن تعيش بأمن وسلام في محيط واسع تسوده مع الآخر علاقات الندّية وحسن الجوار، أو العلاقة والمصالح المشتركة.

ولعل البداية تكون في تعزيز القيم الإنسانية الأساسية من احترام القانون واحترام حقوق الإنسان واحترام حقوق المجتمع المدني وإشاعة الديمقراطية والتعددية والوقوف ضد نزعة التفوق والنبذ والإقصاء وإشاعة تمجيد العقل والوعي والعلم والانحياز إلى قوة المعرفة حتى نتمكن من تحقيق بناء مؤسسي لا يخضع لعوامل المزاجية والتعصب والإقصاء.

لقد عانت المنطقة العربية منذ أكثر من قرنين من الزمان من حملات الاستعمار التي زحفت إلى الوطن العربي لاستنزاف خيراته وجعله سوقاً لها، ووقفت أمام محاولات بناء القوة الذاتية بالمحاصرة بالسلاح كما يقول المؤرخون والإستراتيجيون، منذ أيام محمد علي.

ولقد فشلت محاولات بناء القوة الذاتية لأسباب مختلفة أهمها عدم الاهتمام اللازم بالأبعاد المختلفة وأهمها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لابد أن تعتمد القوة الذاتية في الأساس على أسس مدنية واجتماعية تجعل المجتمع قادراً على النهوض بهذه التبعات، ولا يستقل بأمر هذا المطلب الحيوي شخص عبقري أو مغامر أو ديكتاتور.

إننا في أمس الحاجة إلى قوة ذاتية تدفع عنا الأخطار المحدقة بنا أو المحتملة، دون أن نكون في حماية من لا نأمنه طويلاً. إن أمننا الوطني والعربي في حاجة إلى قوة ذاتية، ولكننا قبل ذلك في حاجة إلى قاعدة راسخة من الاقتصاد والمعرفة والوعي والخبرة لنتمكن من حماية أنفسنا في زمن تتهدد الأمة العربية الأخطار من غربها ومن شرقها ومن كل جانب.

جامعة الإمارات