يمكن للمتابع لمسيرة العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب أن يرصد بسهولة مجموعة تطورات حدثت مؤخراً تصب في تأجيج العداء بين الطرفين بغض النظر عما إذا كانت مقصودة أم غير مقصودة، غير أن هدفها تحقق في النهاية وهو صب المزيد من الزيت على النار المشتعلة أصلاً، ما يثير التساؤل حول حكمة أصحابها ويفتح المجال للحديث حول مستقبل مسيرة هذه العلاقات.

تتلخص هذه التطورات في أربعة أحداث رئيسية، بدأ أولها بإعادة نشر الرسوم المسيئة، والتي أثارت حالة من الغضب الإسلامي على الغرب ارتقت إلى مرتبة أزمة تم خلالها مقاطعة سلع عدد من الدول التي نشرت صحفها هذه الرسوم وأولها الدنمارك. وأما الحدث الثاني فيتمثل في فيلم «فتنة» الذي أعده النائب البرلماني اليميني الهولندي خيرت ويلدرز، والذي يستغرق 15 دقيقة ويجعل العنف مرادفاً للإسلام.

أما ثالث الأحداث فهو عرض مسرحية عن رواية «آيات شيطانية» لمؤلفها الكاتب البريطاني الجنسية الهندي الأصل سلمان رشدي بمسرح قرب العاصمة الألمانية برلين. فيما يتمثل الرابع في تعميد بابا الفاتيكان، عشية عيد الفصح، صحافياً مصرياً يدعى مجدي علام كان قد تحول إلى المسيحية.

يمكن رصد أربع ملاحظات أساسية على هذه الأحداث. فمن ناحية أولى فإنها تتوزع ما بين دول أوروبا وهي غير قاصرة على دولة بعينها، فالأولى ـ مرحلة الإعادة وليس الأصل ـ بدأت على نفس منوال النشر الأصلي منذ أكثر من سنتين من الدنمارك وامتدت إلى عدد من الدول الأوروبية، والثانية في هولندا والثالثة في ألمانيا والرابعة في إيطاليا.

من ناحية ثانية، فإن قضيتين من القضايا الأربع تتمثلان في تنويعة على قضية قديمة من المفترض أنها أثارت حالة من الثورة على الطرف الآخر الإسلامي، وهما قضيتا الرسوم المسيئة وآيات شيطانية، وهو ما قد يعني أن الهدف يبدو استفزاز مشاعر المسلمين في ضوء حقيقة أن الحدث الأصلي أثارهم على نحو غير مسبوق.

من ناحية ثالثة، فإنه إذا افترضنا أن النائب الهولندي غير مدرك للحساسيات الدينية وأنه يرى القضية بمنظور حرية الرأي، الأمر الذي قد ينسحب على قضيتي الرسوم وآيات شيطانية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: وماذا عن موقف البابا، وهو رجل دين يدرك حيوية الدور الذي تلعبه العقيدة لدى معتنقيها؟

قد يرى البعض فيما قام به البابا أمراً لا يسترعي الانتباه وأنه يأتي في إطار عفوي. غير أن ذلك كان يمكن أن يكون صحيحاً لولا سابقة أخرى تقلل من إمكانية الاعتداد بهذا الرأي وتتمثل في الانتقادات التي وجهها البابا نفسه إلى الإسلام في محاضرة بألمانيا أثارت وقتها جدلاً شديداً.

ورغم ما قد يكون للبابا من مطلق الحرية في تبني الموقف الذي يراه باعتبار أن ذلك يدخل في إطار الحريات والقناعات الشخصية، إلا أن مركز البابا يتطلب منه أن يكون أكثر حنكة ويقظة من رسام دنماركي أو نائب برلماني هولندي أو روائي بريطاني.

من ناحية رابعة، وفي معرض الإشارة إلى الحساسيات الدينية والمساس برموزها سواء كانوا أشخاصاً أم مبادئ، نشير إلى مفارقة اضطرار هيئة رسمية في أميركا لسحب فيلم فيديو قصير كان يروج لتخفيف حدة الازدحام المروري أثناء زيارة بابا الفاتيكان ـ التي تمت مؤخرا ـ للعاصمة الأميركية بعد اعتراضات من الكنيسة الكاثوليكية لوجود لقطات في الفيلم لدمية تمثل البابا اعتبرت مسيئة لكونه «شخصية مقدسة».

وهو ما يطرح بدوره التساؤل حول ما إذا كان للغرب أن يضفي على البابا هذه القداسة ـ وله في ذلك ما يشاء ـ فأليس من حق المسلمين أن يضفوا على «الرسول» ما يرونه من احترام وتبجيل، ويعتبرون أن الإساءة إليه تمسهم وتسيء إلى عقيدتهم.

يدعونا ذلك إلى النظر للأمور بنظرة أكثر هدوءاً للوصول إلى رؤية دقيقة لطبيعة العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب، وهو أمر نحسب أن القطاع الأكبر من الطرفين لم يقم به كما ينبغي حتى لا يكون هناك مجال لإنتاج فيلم «فتنة» آخر أو غير ذلك من استفزازات.