لاشك أن هذا التساؤل يعتبر الأكثر أهمية وبحثا في مختلف الدوائر السياسية الغربية، التي تحاول التوصل لمعادلة العلاقة بين روسيا وأوكرانيا، في إطار مساعيها لاجتذاب أوكرانيا إلى الفريق المعارض بل والمعادي لروسيا، والذي ستقع على عاتقه مهمة تقسيم وتفتيت روسيا.

ولكنني أعتقد أن مراكز التحليل والبحث الغربية مازالت حائرة بل وعاجزة عن اكتشاف إجابات واضحة وحاسمة لهذا السؤال، ليس لأنه يتناول أبناء قومية واحدة، وهو ما يصر الغرب على تجاهله، وإنما لأن السياسيين الأوكرانيين مازالو ا في حيرة، ولم يتوصلوا لتصور محدد ونهائي حول العلاقة مع روسيا.

ومن خلال لمحة سريعة على لقاءات القمة الروسية ـ الأوكرانية، والتي جمعت الرئيس بوتين والرئيس يوشينكو، سنجد أن هذه القمة كانت على الأغلب غامضة، وبالرغم من أنها كانت تأتي كخاتمة لصراع حاد بين كييف وموسكو حول ملفات اقتصادية وسياسية، إلا أن هذه القمم كانت دائما تتوصل لتسوية.

وقد عكست أخر قمة روسية أوكرانية هذه الحال بشكل ملموس، عندما هددت شركة (غاز بروم) بالتوقف عن إمداد أوكرانيا بالغاز ما لم تسدد ديونها، إلا أن الرئيسين الروسي والأوكراني اتفقا على أن تواصل موسكو إمداد كييف بالغاز، وأن يتم سداد الديون الروسية من جانب أوكرانيا وفق اتفاق سيبحث لاحقا، لقد حلت القمة المذكورة عقدة مركبة وصلت بالعلاقات إلى مرحلة توتر حرجة.

ومع ذلك اعتبر المراقبون أن نوايا الرئيسين في التقارب وتمتين العلاقات ستصطدم بحكومة يوليا تيموشينكو التي ترى في روسيا خضما. إلا أن تطورات الوضع كشفت عكس ذلك، حيث أجرت رئيسة الحكومة الأوكرانية تيموشينكو مباحثات مهمة للغاية مع رئيس الحكومة الروسية فيكتور زوبكوف، وضعت خلالها خطط وبرامج عمل تحقق مصالح البلدين، وقد استبقت تيموشينكو المحادثات بسداد كافة ديون والتزامات أوكرانيا المستحقة لروسيا، لإثبات حسن نوايا حكومتها في التعاون. وأكد فيكتور زوبكوف أنه «تمت تسوية كافة القضايا، وتم تحويل القسط الأخير من الديون».

وتوصل الجانبان إلى اتفاق إنشاء فضاء تجاري مشترك، مع مراعاة قواعد ومعايير منظمة التجارة العالمية، التي انضمت إليها أوكرانيا.

وثبتت حكومتا روسيا وأوكرانيا اتجاهات ذات أولوية في التعاون الاستراتيجي، ومن بينها توقيع اتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد بشأن تجهيز أوكرانيا بالغاز الطبيعي، وترانزيت الغاز الطبيعي الروسي عبر أراضي أوكرانيا، والتعاون في المجال النووي، خاصة في إعادة تأهيل وتحديث المحطات الكهرذرية العاملة في أوكرانيا وبناء محطات جديدة، وتحضير الوقود النووي واستثمار مناجم اليورانيوم بشكل مشترك.كما تم توقيع اتفاق استئناف إنتاج أكبر طائرة نقل في العالم من طراز «روسلان ـ 124» في الربع الثالث من هذا العام.

ولابد من القول ان هذه الاتفاقات لا تشكل نقلة نوعية في العلاقات بين أوكرانيا وروسيا، ومن المعروف أن أوكرانيا تغطى حوالي 80% من احتياجاتها من الغاز والنفط الروسيين، بل ان روسيا أكبر سوق يستوعب المنتجات الصناعية الأوكرانية، حيث يقدر حجم التبادل التجاري بحوالي 15 مليار دولار سنويا.ومع الأخذ بعين الاعتبار أن نمو حجم التبادل التجاري سنويا يصل إلى نسبة 20 ـ 30 بالمئة.

كما يزداد حجم الاستثمارات الروسية في الاقتصاد الأوكراني سنويا بمعدل مليار دولار. بل أن هذه الاتفاقات تشكل دعما لهذا التوجه الذي يتم تحقيقه. ولكن أهمية هذه الاتفاقات أنها تأكيد من الحكومة الأوكرانية في ظل تصاعد التوتر الدولي في منطقة الفراغ السوفييتي السابق على استراتيجية التعاون بين البلدين.

بل ان هذه الاتفاقات تؤكد صحة ما أعلنه الرئيس الروسي بوتين - المنتهية ولايته بالأمس القريب - بأنه لا يتفق مع ما يتردد حول أن العلاقات بين روسيا وأوكرانيا تتدهور، رافضا توصيف العلاقات الروسية الأوكرانية في مجال الاقتصاد بالركود.

هذا الوضع يكشف عن أوكرانيا التي تحقق في علاقات مع جارتها روسيا خطوات مهمة ما زالت تتقاذفها أمواج وصراعات الساحة الدولية، وتحت وطأة احتياجاتها للغرب، تمارس عليها ضغوط للصدام مع روسيا في المجالات السياسية والاقتصادية. وتنامي حجم التعاون، يكشف عن أن اصطناع التوتر والخلاف مع روسيا يتعارض مع المصالح الوطنية لأوكرانيا.

وتعتبر أوكرانيا ممرا حيويا بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، ما يعود بالمنفعة على كييف وموسكو أيضا، ويلعب الجانب القومي دوراً حيوياً في أهمية الحفاظ على صلات التعاون بين البلدين، وبالإضافة إلى انتماء الشعبين للقومية السلافية، فإن عدد السكان الناطقين باللغة الروسية في شرق أوكرانيا يزيد على 40% من تعداد السكان، وقد لعبت المرحلة السوفييتية والفترات التي سبقتها دورا في إرساء علاقات القرابة والدم بين مختلف مدن أوكرانيا وروسيا.

واستنادا لهذه الأرضية لابد وأن تعترض روسيا على جر أوكرانيا لمخطط الناتو في فرض حصار عليها تمهيداً لتفتيتها، ولا يمكن اعتبار مسألة انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي قرارا أوكرانيا فقط، لأنه بالتأكيد يمس أمن الدول المجاورة، وسيؤدي إلى احداث متغيرات عسكرية سياسية خطيرة ستمس أمن روسيا وستنعكس سلبا على الأمن الأوروبي.

ويصعب إيجاد مبررات لحكومة البرتقاليين التي اكتشفت بشكل ملموس أنه من الصعب فصل الشعبين ومصالحهما، وأن هذا الفصل يمكن أن يؤدي لخسائر حقيقية للبلدين، ولن يحقق آية مكاسب ذات أهمية . لذا تشكل خطط تطوير وتعزيز التعاون أهمية خاصة لأنها خطوة على الاتجاه الصحيح الذي يسير نحو إحلال الاستقرار في المنطقة، ويبتعد عن سياسات تصعيد التوتر والمجابهة، ويأتي كتطبيق لاتجاهات التطورات الطبيعية والمنطقية لمصالح أوكرانيا وروسيا وشعوب المنطقة.

الأهم من هذا وذاك هو أن أوكرانيا لا تحتاج لمساعدات الغرب، بل إنها أكثر حاجة لروسيا من أية جهة في العالم، وهما معا يكملان بعضهما بعضا اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً، وكلاهما مستهدفان من الغرب معاً أو كلاً على حدة، وتكاملهما مهم لهما وللمنطقة كلها، وأوكرانيا مستفيدة أكثر من روسيا من هذا التكامل لأن روسيا الأغنى والأكثر إمكانيات والأكبر سوقاً، ومن مصلحة الشعب الأوكراني الارتباط بروسيا عن غيرها من دول العالم كله.

وخاصة الغرب الذي لن تقبل أسواقه أية سلعة أوكرانية، وأوكرانيا إذا ما تمت إدارة اقتصادها بما يخدم المصالح الوطنية، وأقامت علاقاتها على أساس تبادل المنفعة، واحترام دول الجوار . ليس فقط لمجرد الجوار وإنما بسبب وجود مصالح مشتركة تعود على الشعبين بالخيرات.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني