أخذت الأمور في لبنان انعطافة خطيرة. بل هي الأخطر في عمر الأزمة المتفاقمة، والمتواصلة، منذ ثلاث سنوات. المواجهة السياسية، بين أطرافها، لم يسبق لها أن وصلت إلى نقطة الاحتكاك التي بلغتها، خلال الأيام القليلة الماضية. قرارات غير مسبوقة اتخذتها الحكومة، تجاه الفريق المعارض.
رد هذا الأخير، بتصنيف هذه القرارات في خانة «اللعب بالنار» و«إعلان حرب»، عليها.
الحكومة ذهبت إلى القضاء، تشكو «حزب الله». المعارضة ذهبت إلى الشارع، تشكو الحكومة، عبر التظاهر؛ من سوء الأحوال المعيشية. بذلك انتقلت المشكلة المستحكمة، إلى مستوى ابتعدت معه أكثر عن أجواء التسويات والتفاهمات الممكنة. واكب ذلك أعنف تقاذف بالاتهامات المتبادلة، منذ اندلاع الأزمة. اشتباك سياسي وعنف في الشوارع تفوح منه رائحة منازلة ما، بين الخندقين.
ويجري ذلك قبل أيام من موعد جلسة البرلمان المقررة لانتخاب رئيس لبناني جديد، بعد 19 تأجيلاً. مما يعني أنها صارت بحكم المؤجلة للمرة العشرين. بل بحكم التأجيل المفتوح على الزمن. كما يحصل هذا التصعيد، في وقت غابت فيه الوساطات عن الساحة. كما غاب فيه الحديث عن الحوار. حتى الاتصال أو التشاور، لم يعد له أثر. فالمشهد بات يبدو وكأن كل فريق أخذ وضعية الاستنفار، لجولة تحسين مواقع.
أو لجولة اختبار قوة. لكن في ضوء الوضع المسدود الذي بلغه المأزق؛ وفي ظلّ الاحتقان العالي الذي تعيشه الساحة اللبنانية، على خلفية انقسام حاد غير معروف من قبل؛ فإن مثل هذه الجولات، في أحسن أحوالها، مجازفة محفوفة بخطر الانزلاق وخروج الأمور عن السيطرة.
وحتى لو مرّت على خير وبقيت محصّنة ضدّ أي انفجار. ذلك أن الحالة الشديدة الهشاشة ما عادت تقوى على احتمال مثل هذه المقامرة. هي بأمس الحاجة إلى مخرج؛ وليس إلى المزيد من المواجهات. في أقله، هي بحاجة إلى تبريد وتواصل.
تطورات الساعات الأخيرة، رفعت من درجة الحرارة وزادت التباعد اتساعاً. بل شحنته بحقنة تأزيم نوعي، من العيار الكبير. وهي مرشحة للتفاعل والتضخم؛ بكل ما يحمله ذلك من عوامل تصعيد، قد تصل بالأوضاع إلى حدود التفجير. ما شفع بالحالة، قبل هذا التدهور المقلق، هو أن الأزمة بقيت منضبطة في حدود التجاذب السياسي وخطابه المعقول والمقبول. الأمر الذي ترك فسحة واسعة للجهود والمحاولات والمبادرات، التي جرت؛ والتي تركت باب الأمل مفتوحاً؛ ولو مواربةً، للعثور على مخرج من عنق الزجاجة.
تطورات الأيام الأخيرة ضيّقت فتحة الباب. بالكاد تركته مشقوقاً. وهو لأول مرة يضيق إلى هذا الحدّ. وهذا بحد ذاته مدعاة للتخوف. لكن في نفس الوقت هو مدعاة، بل يجب أن يكون كذلك، لاستنفار جهود مضادة وعاجلة؛ لمنع هذه الانعطافة من متابعة اندفاعها، بالاتجاه الذي أخذته.
الدور الأساسي في ذلك يعود للبنانيين وليس لغيرهم؛ بصرف النظر عن ملابسات المأزق وعناصره، البرّانية ومدى تأثيراتها ووزنها. في آخر المطاف لبنانهم وليس لبنان غيرهم، على المحك. المسألة وصلت، أو هي تهدد بالوصول، إلى نخاع العظم.
وإذا كان هناك درس من هذه الأزمة، فهو أن تطويلها يزيدها تعقيداً ويفاقم من خسائرها. وان الخروج منها محكوم بالتقارب والتفاهم؛ وليس بركوب الرأس ووضع الشروط التعجيزية ونسف الجسور. فتلك وصفة للوقوع في مستنقع، لن ينجو أحد من الغرق في بالوعته.
