حذار اللعب بالنار! هذا التحذير ليس موجَّهاً الى فئة دون أخرى، بل الى جميع الفئات من دون استثناء، وما سيشهده لبنان، قد يتحوَّل الى محرقة للجميع إذا لم يتم تداركه قبل فوات الاوان.

ما المشكلة?

الاتحاد العمالي العام دعا الى اضراب مطالباً برفع الحد الادنى للاجور الى 960 الف ليرة، من 300 الف ليرة، في المبدأ هذا مطلب حق والجميع يُدرك نسبة الغلاء الفاحش الذي طاول كل شيء.

الحكومة، في المقابل، غير قادرة على تلبية هذا المطلب، وهو عجزٌ يمكن تفهُّمه في ظل الاوضاع غير المستقرة التي تُعرقل النمو.

إذاً بين (حق) العمال و(تفهُّم) عدم قدرة الحكومة ماذا يمكن فعله?

بصراحة، ليس بالشيء الكثير، فالازمة المعيشية تحوَّلت الى معضلة لتنضم الى سائر المعضلات التي تعصف بالبلد، وذلك للاسباب التالية:

- ان أي زيادة في الاجور ستجعل رب العمل يرفع اسعاره وهكذا تقفز اسعار السلع فتتآكل بسرعة نسبة الزيادة.

- ان عدم زيادة الاجور ستجعل استمرارية العامل مستحيلة، فراتبه لا يكفيه، ولن يجد من يُقرضه.

إذاً، بين هاتين الاستحالتين، ماذا يمكن فعله?

لا يمكن للحكومة ان تبقى مكتوفة اليدين، كما لا يمكن للاتحاد العمالي العام ان يرفع كثيراً سقف مطالبه، والبداية الحقيقية لتحسين الوضع المعيشي تمر حكماً بتحسين الوضع السياسي الذي لا يمكن تحقيقه سوى بإعادة تكوين السلطة في لبنان من خلال انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة ووضع قانون جديد للانتخابات النيابية واجراء اصلاح اداري شامل.

من دون هذه الأسس يستحيل تحقيق أي شيء، اما إذا بقي التصعيد النقابي على ما هو عليه من وتيرة مرتفعة، فإن الخشية، كل الخشية، يمكن ان تكون في امكان استغلال النقمة المعيشية لحرف الإضراب عن اهدافه، فيتكرَّر (الثلاثاء الاسود) الذي وقع في الثالث والعشرين من كانون الثاني 2007، كما يمكن ان يتكرر (الخميس الاسود) الذي صار يُعرف بإحداث الجامعة العربية، وهذه القلاقل التي يمكن ان تُعيد نفسها ستُشكِّل الضربة القاضية لموسم السياحة الواعد، وذلك يُسبب معضلة معيشية جديدة، لأن الكثير من اللبنانيين يُعوِّلون على الصيف الآتي.

* * *

إذا كان لا بد من الاضراب اليوم، فحريٌّ بالمعنيين به ان يجعلوه يمر على خير، لأن أي احتكاك يمكن ان يشهده سيكون من شأنه القضاء على مشروعية المطالب النقابية، فيخسر العمال مرتين:

مرة من خلال فرصة تحسين اوضاعهم، ومرة ثانية من خلال فقدان أي امل بتحرك مستقبلي، ويُفترض بقيادة الاتحاد العمالي العام ان تكون واعية ومُدركة لهذه المخاوف.