أعرف أن ما سأقوله يقع في دائرة الاحتمالات إن لم يكن أحد المستحيلات، لكن من ينظر إلى تغيير المسارات في المنطقة وغيرها، فقد يرى شيئاً من قابلية تحقيق هذا التصور من خلال رؤية ما يجري الآن ليبني عليها استنتاجات ما سيحدث مستقبلاً..
في غمرة المد الثوري اليساري لم يكن في المخيلة العربية من يتصور أن هناك سائحاً إسرائيلياً سوف يدخل مناطق الآثار العربية ويقيم في فنادقها، لكننا نرى الصورة متحققة وعلى عدة مستويات، وهنا في هذا الإطار، هل يمكن أن يتحول العدو إلى حليف أمام تنامي الخوف من إيران بحيث تتشكل جبهة عربية، إسرائيلية، تركية تقودها دولة عربية ترفع شعارات تلك المرحلة، وتتجه البوصلة إلى قلب الأشياء كلها في إطار المصالح الأمنية أولاً، والتي لا بد من التشديد عليها أمام المتغيرات الجديدة؟
المناعة لا تأتي من نظم سياسية ربما يراودها مثل هذا التعاون أوسمّه التحالف، لكن من سيتردد في الإقدام على هذا الفعل، سيأخذ في اعتباره الخشية من التيار الإسلامي المتنامي في المنطقة وخارجها، ولا بد في هذه الحالة قراءة ما حدث من سلامٍ بين إسرائيل وكل من مصر والأردن، وتناغمٍ مع دول أخرى، المغرب، موريتانيا، وقطر، وحدث ذلك بوجود تلك المناعة، وقد سبق أن أُعلنت تلك المصالحات والاتفاقات في وسط المد الإسلامي الذي دفع السادات وحده الثمن الصعب، ومع ذلك لم تتغير الثوابت على تنامي العلاقات الدبلوماسية والتجارية وغيرهما مع إسرائيل..
إسرائيل تتحدث عن اتفاق مع سوريا، والأخيرة في نظر العرب وغيرهم القلعة المستعصية على تخطي الإرادة القومية التي نادت بتحرير الأرض دون مزادات أخرى، لكن أن تطل دمشق على العالم، وتعلن أن إسرائيل مستعدة للجلاء من الجولان مقابل سلام تام ومشروط، هنا يبدأ وضع العلامات على الطرق المتعرجة التي توضح أن ثمة اتجاهاً جديداً تقوده عوامل التغيير، ليس فقط بالنظرة القديمة، وإنما بتحويل المسلّمات إلى واقعية تذهب إلى المصالح العليا، والاستراتيجيات الأكثر إلحاحاً..
فكل من سوريا وإسرائيل لديه ما يضعه في سلة مكاسبه، وهي صيغة جديدة لابد أنها نضجت على نار هادئة، أي أن إسرائيل ترى في توثيق أي سلام مع سوريا ما يجعله ثابتاً وغير مهتز، وفي هذه الحال، تكون القنطرة التي تدخل دمشق نطاقها الدولي مقابل إنهاء التحالف الإيراني - السوري، وكذلك حزب الله، وأيضاً إيقاف المحكمة الدولية بقتل الحريري، واللبنانيين الآخرين، ثم وضع آلية جديدة لمشاريع اقتصادية وأمنية تخترق مخاوف الحدود القديمة، والتي لم تعد ذات قيمة أمام تنامي الأسلحة وخاصة الصواريخ..
سوريا ستكون الكاسب الآخر والمهم ليس فقط بالعودة إلى كيانها العربي بانتصار سياسي ومعنوي يضعانها في حزمة الدول القيادية، وإنما بالقدرة على لعب دور آخر في سلام فلسطيني - إسرائيلي، وتهدئة جبهتها على العراق، وهما جواز سفر لرضا أمريكي ودولي وحتى إسرائيلي..
