يحاول الأفراد في أي مجتمع التكيف مع واقع التغيرات التي تطرأ على مجتمعاتهم، حتى لا يبقى الواحد منهم خارج نطاق التغيير، لاسيما إن كان في ذلك التغيير، فوائد وايجابيات لا يمكن التفريط بها، وهذه الحقيقة باتت متمثلة في أفراد مجتمع الإمارات من المواطنين والمقيمين فيه.

ففي الوقت الذي تحرز فيه الإمارات قصب السبق في مختلف المجالات، وفي الوقت الذي تحقق فيه نموا اقتصاديا كبيرا، وتفتح فيه أوسع الأبواب على الفرص الاستثمارية، نجد أن هذا الواقع بدأ ينعكس بالإيجاب على عدد من الأفراد والمؤسسات والشركات، وفي الوقت نفسه كانت له آثار سلبية أهمها أن الثروة أصبحت همّ الناس الأول.

إذا كانت حمى الأسهم في الأسواق المالية قد سيطرت على عدد كبير من الأفراد في مرحلة سابقة، وتسببت في خسائر كبيرة لم يتمكنوا من تعويضها حتى الآن، فقد استمر بعضهم الآخر يلهث وراء الصفقات العقارية والمحافظ الاستثمارية خوفا من أن يمر عليهم قطار الثروة سريعا فلا يلحقون به.

وقد ترتبت على ذلك نتائج خطيرة وسلبية لم تحسن أوضاع هؤلاء الأفراد بل وضعتهم في مآزق مالية ومعنوية تفوق في حجمها أحلامهم وطموحاتهم. والدليل على ذلك انصياع عدد كبير من الأفراد وراء مشاريع ومحافظ استثمارية وهمية لم تجلب لهم شيئا من الثروات التي يطمحون إليها، بل وزجت عددا منهم في السجون لسبب بسيط هو أن القانون لا يحمي المغفلين!

وليت الأمر توقف عند فرص الاستثمار كمصادر دخل أخرى تدعم الراتب الشهري الذي يتقاضاه الموظف، إذ إن النمو الاقتصادي في الدولة وما نتج عنه من فرص عمل كثيرة في قطاعات مختلفة دفعت بالعديد من الشباب للانتقال من عمل إلى آخر بحثا عن راتب أعلى ومميزات وحوافز أكثر، وان كان ذلك على حساب الاستقرار الوظيفي والتمكن في الأداء واكتساب الخبرة الكافية للعمل في مؤسسة أخرى، وهو ما يمكن اعتباره إحدى سلبيات النمو الاقتصادي التي لا تنعكس على الفرد وحده بقدر ما تتسبب فيه من خسارة كبيرة تدفع ثمنها المؤسسات والدولة.

فبعض الموظفين ما أن يمضي في وظيفته سنة أو سنتين إلا ويطالب بسيل من الترقيات، وان لم يجد ما يتطلع إليه سارع لتقديم استقالته والتقدم إلى وظيفة في مؤسسة أخرى، فلا الصبر عاد موجودا لديهم، ولا الولاء والارتباط بالمؤسسة دافعا للبقاء فيها مدة أطول، والاستفادة بصورة اكبر من الخبرات التي تمنحها إياه، لذا فإننا نجد الموظف يقفز إن صح التعبير من مؤسسة إلى أخرى باحثا عن راتب أفضل، متسببا في إضاعة وقته ووقت مؤسسة بذلت وقتا وجهدا ومالاً لتدريبه وتأهيله، وأخرى ستقوم بذلك من جديد، لاسيما إن كان قليل الخبرة في المجال الذي يلتحق به.

ونجد أنفسنا في النهاية أمام مجموعة مؤسسات وشركات غير مستقرة بسبب عدم استقرار موظفيها وقلة الخبرة لدى عدد كبير منهم، واستنفاد جزء كبير من طاقتها في التدريب والتأهيل، فهل يحقق اللهاث وراء المال والترهل في هياكل المؤسسات مصالح الدولة؟

لا نبالغ فيما نصفه أو فيما نتحدث عنه، فقد اتجه عدد كبير من الأفراد، خاصة أصحاب الدخول المحدودة الذين لم يعد بإمكانهم مواجهة التغيرات في المجتمع، للبحث عن آليات تجعلهم في عداد أصحاب الثروات والغانمين بأكبر صورة من الفرص التي يتيحها النمو الكبير الذي تشهده الدولة، وهؤلاء في الغالب لا يحكمون العقل ولا المنطق في الخطوات التي يتخذونها رغم ان كثيرا منها قد يجعلهم في عداد الخاسرين لا الغانمين، وليت الخسارة توقفت عندهم فكان الأمر أهون، لكنها للأسف تعدت ذلك إلى المساس بمصالح عامة ينبغي عدم التفريط بها. وهو ما يحتاج إلى وقفة ومراجعة نتابعها في مقالات أخرى بإذن الله.

maysaghadeer@yahoo.com