وحدها الحوادث ذات الدلالة الاستثنائية هي التي تلهب حماس المحلل السياسي حتى لو لم تحتل واجهة المشهد الإعلامي، فالمسافة بين ما هو إعلامي وما هو معرفي هي المسافة بين تداول المعلومات وقراءة معانيها وما تنطوي عليه من تأكيد أو نفي لفكرة أو مقولة في التحليل السياسي، حيث الحقائق ليست هدفاً في ذاتها هي جزء من معمار متكامل يعين على بلورة الرؤى لا مجرد اجترار المعلومات.
وعندما تتجسس إسرائيل على أميركا فمن الضروري أن نتوقف ونحاول فهم دلالات الموقف الذي يفترض ألا يحدث في ضوء المقولات السائدة في الخطاب السياسي العربي عن العلاقة بين أميركا وإسرائيل والتي تتراوح بين الترويج الأعمى لمقولة ان إسرائيل تحكم أميركا والترديد الببغائي لخرافة أن العلاقة بينهما هي «العروة الأوثق» التي لا ثغرات فيها ولا مسافات ولا خلافات حيث «إسرائيل هي أميركا» و«أميركا هي إسرائيل»!
القصة كما نشرتها وسائل الإعلام هي أن اليهودي الأميركي بن عامي كاديش قبض عليه بتهمة التجسس على أميركا لحساب إسرائيل وأن المحكمة قررت إطلاق سراحه والاكتفاء بالتوقيف المنزلي له مع دفع كفالة مالية.
والادعاء العام الأميركي وجه لائحة اتهام ضد (كاديش) تضمنت قيامه بنقل أسرار عسكرية منها ما يتعلق بصنع أسلحة نووية، وذلك عبر الدبلوماسي الإسرائيلي يوسي ياغور العامل في القنصلية الإسرائيلية في مانهاتن.
وحسب أراد نير من القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي فإن كاديش مهندس في مركز الأبحاث والتطوير وهندسة السلاح التابع للجيش الأميركي، وقد سلم القنصل الإسرائيلي في مانهاتن صوراً وأرقاماً لحوالي خمسين إلى مئة وثيقة سرية جداً، وقد نُقلت إلى إسرائيل وهي تحتوي على معلومات حول أسلحة نووية وطائرات أف 15 بيعت لدول عربية وأنظمة دفاع جوي. وقد نشط كاديش بين 1979 ـ 1985، واستمرت اتصالاته مع مشغله الإسرائيلي حتى مارس 1985، وهو لم يعمل بدافع المال بل لمساعدة إسرائيل.
والدافع المتصل بالولاء هو أخطر ما في القضية، فالنظر لليهود في كل مكان في العالم بوصفهم موالين بالضرورة لإسرائيل أكثر من ولائهم لأوطانهم اتهام طالما نفته الجماعات اليهودية في العالم، وفي حالة كاديش فإن ارتكاب جريمة الخيانة العظمى لأجل مساعدة إسرائيل ينكأ الجرح بقوة.
وهناك من يقلل من قيمة القضية بسبب وقوعها في فترة الثمانينات حيث أوقفت إسرائيل نشاطاتها التجسسية على الأراضي الأميركية أو ضد أمنها بعد تعهدها بذلك في أعقاب افتضاح قضية الجاسوس الشهير جوناثان بولارد. لكن الكشف عنها الآن يعني أن قضية بولارد لم تكن عملية التجسس الإسرائيلية الوحيدة في أميركا، خلافاً لما ادعت تل أبيب آنذاك. ويقول ناتان غوتمن مراسل القناة الأولى الإسرائيلية في واشنطن إن الخطورة الإضافية لهذه القضية هي طلب المشغِّل الإسرائيلي من المتهم الأميركي كاديش الكذب على الـ «اف بي آي» في التحقيقات التي أجريت مؤخراً.
وقد أدت هذه القضية إلى استعادة قضية الجاسوس الإسرائيلي الأشهر، جوناثان بولارد، الذي اعتقل في العام 1985 بتهمة التجسس لصالح إسرائيل وكان القبض عليه قد شكل صدمة كبيرة للجاليات اليهودية في الولايات المتحدة، التي خشيت أن يؤثر القبض عليه النظرة الأميركية لولاء اليهود الأميركيين للولايات المتحدة.
وبعد اعتقاله اعترف بولارد أنه قام وعلى مدار سنوات بنقل آلاف الوثائق السرية، التي كان يحصل عليها مستغلاً حريته في الوصول ليس فقط إلى وثائق الأسطول الأميركي وإنما أيضاً لأجهزة الاستخبارات الأميركية، بما فيها وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي. آي.إيه)، وزارة الدفاع وغيرها.
العبر التي يثيرها القبض على كاديش كثيرة في مقدمتها أن الحليفين بينهما مسافة وافتراق في المصالح وأن لدى إسرائيل خوف حقيقي من أن تخفي عنها الولايات المتحدة معلومات تكون ضرورية لأمنها، فرغم كثرة أطر التعاون الاستراتيجي والعسكري والمخابراتي بين البلدين فإنهما لم يصبحا أبداً كياناً واحداً.
كما أن مصالحهما لم تتطابق أبداً وإن بدت كذلك عند النظرة السطحية، كما أن رؤساء الوزارات المتعاقبين في إسرائيل فشلوا في استصدار قرار من البيت الأبيض بالعفو عن جوناثان بولارد، وكان مطلبهم جميعاً دون استثناء، وفي كل مرة كان موقف البيت الأبيض صارماً في رفض الطلب الإسرائيلي.
ورغم ما يتمتع به اللوبي الصهيوني من نفوذ كبير في السياسة الأميركية، والبعض يصر على تصويره في صورة أسطورية، فإنه لم يتبن هذا المطلب أبداً ما يؤكد أن هذا اللوبي في النهاية يعمل تحت سقف «الوطنية الأميركية» ولا يستطيع خرق هذا السقف.
ورغم ندرة مثل هذه الوقائع فإنها تتسم بأهمية تحليلية كبيرة إذ تنسف بعض المقولات السائدة عن العلاقة بين البلدين، وقد شبه أحد الكتاب الأميركيين هذه العلاقة بقوله: «إسرائيل كلب حراسة كبير رأسه في واشنطن وذيله في تل أبيب»، بل إن المفكر العربي الإسلامي المعروف الدكتور عبدالوهاب المسيري خبير الصهيونية الأشهر في العالم العربي يرى أن المبالغة في صورة اللوبي الصهيوني في أميركا تعني تحويل صانع القرار الأميركي من شريك في المسؤولية عن السياسات الإسرائيلية إلى ضحية مسكين لقوة خرافية لا سبيل لقهرها!
والواقعة التي نحن بصددها دليل لا شبهة فيه على أن الحليفين ليسا شيئاً واحداً بل إن العلاقات الأميركية البريطانية تعد أكثر دفئاً وعمقاً واستقراراً دون أن يكون هناك لوبي بريطاني يمسك بخيوط القرار السياسي الأميركي كما يشيع كثيرون عن اللوبي الصهيوني، فهل من وقفة لإعادة النظر في بعض ما هو سائد ومستقر في الخيال السياسي العربي عن العلاقة بين تل أبيب وواشنطن؟
كاتب مصري