9 مايو.. يوم أغر في تاريخ البشرية، وموسكو تجهز نفسها في هذه الأيام للاحتفال بهذا العيد العظيم. لأول مرة منذ 17 عاماً ستشهد الساحة الحمراء عرضا عسكريا مهيبا تشارك فيه الآلات العسكرية الثقيلة والأسلحة المتطورة والطائرات، وستحلق في سماء موسكو أكبر طائرة عسكرية في العالم أمام حشود شعبية ورسمية روسية وعالمية.

الحرب العالمية الثانية هي الجريمة الأكبر والأكثر هولاً ودموية في تاريخ البشرية، حصدت أرواح أكثر من خمسين مليون إنسان وخلفت خراباً ودماراً هائلين في الممتلكات والمنشآت والمؤسسات المدنية.

بدأ اللهيب في 1 /9/ 1939 بالغزو الألماني لبولندا، ثم راحت القوات الغازية تجتاح المدن والعواصم الأوروبية الواحدة تلو الأخرى. أسكرت نشوة الانتصارات القائد النازي هتلر وشريكه موسوليني في إيطاليا، وأصبحا رمزاً لا يطاق للعنجهية والعنصرية واحتقار الآخرين. وكانت النقطة الفارقة في تلك الحرب، الهجوم على الاتحاد السوفييتي فجر الأحد 22 يونيو 1941 لتبدأ في ذلك اليوم ما يسميه الروس (الحرب الوطنية العظمى) التي تكللت بالنصر في 9 مايو 1945.

بعد أن أكمل الجيش الأحمر تحرير أراضيه، اندفع بقوة لتحرير بقية بلدان أوروبا، عندها فتح الحلفاء (البريطانيون والأميركيون) الجبهة الثانية، وأنزلوا قواتهم على شواطئ النورماندي في أواسط عام 1944 بعد أن رجحت كفة الحرب ليس لصالح ألمانيا.

انتهت الحرب وتوقف أزيز الرصاص، وسكتت المدافع في الثامن من مايو عام 1945 وأعلن يوم التاسع من مايو اليوم الأول في عصر السلم الجديد عيداً للنصر تحتفل به جميع القوى المحبة للسلام والحرية لاستذكار بطولات المقاتلين الأبطال من كل الدول المشتركة في التحالف المناهض للنظام النازي الذي تبنى الأفكار العنصرية والكره للبشرية القائمة على أسس الاضطهاد العرقي والقومي والفكري.

تمر ذكرى الانتصار والعالم يمر في ظروف معقدة للغاية يتحكم فيها قطب واحد متجاهلاً الشرعية الدولية وحق الشعوب في التعبير عن نفسها بينما تحاول بعض القوى السياسية والمراكز الإعلامية الغربية عامدة التقليل من قيمة انتصار الجيش السوفييتي على النازية في الحرب العالمية الثانية واعتبار الاحتفالات هذا العام مجرد احتفالات بنهاية الحرب وليست احتفالات النصر، ومحاولة التقليل من مساهمة الجيش السوفييتي في صنع هذا النصر العظيم.

لكن كل هذه الجهود تصطدم بوعي شعوب العالم التي تدرك تلك المقاصد للإساءة لقوى التقدم والسلام.

إن شعوب العالم لا يمكن أن تتجاهل تضحيات الجيش السوفييتي الأسطورية الذي اخذ على عاتقه المهمة في المعركة المصيرية لإنقاذ البشرية من طاعون الفاشية الهتلرية، فالاتحاد السوفييتي قدم أكثر من 28 مليون إنسان وأرقاماً خرافية من المعوقين والأرامل واليتامى والخسائر المادية الهائلة.

وتحاول أوساط سياسية وإعلامية غربية تصوير الجبهة العسكرية التي فتحها الجيش الأميركي والتي جاءت أساساً بشكل متأخر جداً، وكأنها هي الحاسمة في نهاية الحرب العالمية، وحتى استوديوهات هوليوود تحاول المساهمة من خلال إنتاج أفلام تبين وكأن إنزال النورماندي كان الأساس في هزيمة الجيوش الهتلرية.

النصر لم يكن نصرا عسكرياً فقط، ولكنه كان مصيريا ليحدد مستقبل العالم وأجيال المستقبل وإنقاذ الشعوب من طاعون الفاشية. ولم يبق من يحتفل بذكرى هتلر وأفكاره المجنونة سوى شراذم الجماعات المتطرفة في ألمانيا وبعض بلدان أوروبا الغربية.

إن منطق النصر وأهميته التاريخية يجعلنا شئنا أم أبينا أن نتذكر جوزيف ستالين كقائد تحقق تحت قيادته هذا النصر التاريخي رغم كل ما يقال عن الأخطاء الكارثية التي ارتكبت في فترة حكمه.

في متابعة لطبيعة التحولات الجارية في روسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق، نجد انه رغم كل التطورات في هذه البلدان وابتكار أعياد ومناسبات جديدة، فإن مناسبة عيد النصر على الفاشية 1945، كان ولا يزال أهم الأحداث الحية في حياة الشعب الروسي وبقية شعوب الاتحاد السوفييتي السابق، والذي يوحد هذه الشعوب من اجل مستقبل مشرق.

وهكذا سيظل يوم النصر على الفاشية، عيداً عالمياً ومناسبة خالدة، لمواجهة التوجهات الفاشية الجديدة والنزعات العسكرية في سياسات القوى الكبرى التي تحاول إنتاج فاشية بأثواب جديدة. لكن الخروج على قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية أمر محفوف بالمخاطر، حتى ولو كان الفاعل دولة قوية، وهذا ما نراه في العراق وفي أفغانستان وأماكن أخرى.

إن الانتصار على الفاشية عام 1945 بيَّن أن الشعوب لن ترضخ لتهديد القوة، ولن تقبل بالهيمنة والاستعباد، ولن تسمح بظهور هتلر جديد، وهذا هو الدرس الأهم ليوم النصر، يوم التاسع من مايو.