أمام حشد كبير من الطلبة الجامعيين التونسيين تحدث الرئيس الفرنسي، أثناء زيارته الأخيرة إلى تونس ما بين 28 و30 أبريل الماضي، عن «موعد مع التاريخ». بل وحدد تاريخ الموعد ومكانه وهدفه. التاريخ هو 13 يوليو المقبل، والمكان هو العاصمة الفرنسية باريس، أما الهدف فهو وضع حجر الأساس في مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط».

مع زيارة الرئيس الفرنسي إلى تونس تكون جولته على بلدان المغرب العربي قد اكتملت. وفي هذه البلدان كلها كان مشروع «الاتحاد المتوسطي»، قبل أن يصبح الاتحاد من أجل المتوسط»، في رأس قائمة اهتماماته. للتذكير كان هو «صاحب» هذا المشروع إذ أطلقه يوم انتخابه رئيسا للجمهورية في شهر مايو من العام الماضي وبقي محاميه باستمرار أمام البلدان المتوسطية، كما أمام بعض البلدان الأوروبية الأخرى المترددة، بل و«المتمرّدة» ضده إلى هذه الدرجة أو تلك.

الدعوة لـ «الاتحاد من أجل المتوسط» هي بالتأكيد «جميلة» مثل جميع دعوات التوحيد التي تعني بـ «التعريف» إحلال «الوئام» بدلا من «الخصام»، و«لمّ الشمل» بدلا من «التفرقة». لكن ما بين «الرغبة» و«المقدرة» طريق طويل.. وشاق... وزاخر بالمصاعب.

و«الاتحاد من أجل المتوسط» أمامه عقبات كبيرة، ومنها عقبة فشلت أمامها جميع محاولات «توحيد» الصوت الأوروبي والتي كانت آخرها، وربما أهمها، مسيرة برشلونة للشراكة الأوروبية- المتوسطية التي انطلقت عام 1995. فشل الجميع لأنهم لم يستطيعوا أن يجدوا حلا للعقبة المتمثّلة في الصراع العربي- الإسرائيلي، ولم يفلحوا في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة التي أقرّتها الشرعية الدولية.

الرئيس الفرنسي كرر في تونس ما كان قد قاله في المغرب والجزائر مؤكّدا «ضرورة إقامة الاتحاد من أجل المتوسط على الرغم من نزاع الشرق الأوسط». لكنه كان هذه المرة أكثر صراحة في تأكيده على قيام «دولة فلسطينية حديثة وديمقراطية وقابلة للحياة». كما قال، ثم أضاف: «لن يتم الوصول إلى حل إذا لم يتم الاعتراف بهذا، وسوف أقوله في إسرائيل».

إنها خطوة «متقدمة» من قبل الرئيس الفرنسي، الصديق المعلن والحميم «بلا تحفظ» لإسرائيل. ولكنها خطوة «غير كافية» إذا كانت فرنسا تريد أن تلعب فعليا وواقعيا دورا رائدا في «الموعد المضروب مع التاريخ» عبر تحقيق «الاتحاد من أجل المتوسط».

الاعتراف بحق الفلسطينيين بدولة لم يعد موضع خلاف «نظريا» لدى المجموعة الدولية، فقادة الغرب يقرّون عموما بذلك بمن فيهم جورج دبليو بوش. لكن لا تكفي التصريحات والتلميحات «الصريحة» وإعلانات حسن النوايا، فـ «جهنم مليئة بالنوايا الحسنة»، كما يقال. المهم الأفعال والمواقف التي ترتقي بأصحابها إلى مصاف إمكانية الفعل في التاريخ. ولماذا لا، توجيه مساره واحتلال موقع الريادة.

والرئيس الفرنسي طرح، بلا شك، مشروعا «رائدا» طموحا عندما أعلن وتبنّى ودافع عن «الاتحاد من أجل المتوسط». ولا شك أنه يدرك تماما واقع أن السياسة هي فن الممكن.

لكن هذا «الممكن» قد تتسع مساحته إذا ارتفعت «قامات» أولئك الذين يسعون إلى جعله «واقعا». هذا ليس كلام «إنشاء». فدروس التاريخ كلها أثبتت أن المشاريع الكبرى قامت دائما «على أكتاف» رجال كبار تجاوزوا في لحظة ما كل الحواجز التي اعترضت «مشاريعهم».

وكي لا يبقى مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط» مجرّد «إنشاء جميل»، وكي يكون لفرنسا، وربما عبرها لأوروبا، إذا أرادت أن تكون «رائدة»، ينبغي اتخاذ مواقف «نوعية» حيال النزاع في الشرق الأوسط تحديدا. وليس مجرد إسماع العرب ما يرضيهم. فهل الرئيس ساركوزي على استعداد لاتخاذ مواقف قد تثير غضب أصدقائه الإسرائيليين؟!

كانت فرنسا، رغم ماضيها الاستعماري المشين، قد عرفت كيف «تتميز» بمواقفها، وأن تقول «لا». لقد «تميّزت» عندما أخرج الجنرال شارل ديغول بلاده من البنى العسكرية للحلف الأطلسي عام 1966، مثيرا بذلك غضب أميركا. و«تميّزت» عندما وصف أثناء مؤتمر صحفي له في شهر نوفمبر من عام 1967، الشعب اليهودي أنه «شعب من النخبة، مسيطر ويحب السيطرة».

ولم يتردد بعد حرب يونيو 1967 في إصدار الأوامر بوقف أي تعاون عسكري مع إسرائيل، كما كان قد هدد إذا بادرت بالحرب. للتذكير، كان الجنرال صديقا حميما أيضاً لإسرائيل، وكانت فرنسا قد قدّمت في عهده مساعدات استثنائية لها، على عكس ما يعتقد الكثير من العرب.

و«تميّزت» عندما عارضت شن الحرب الأميركية-الانكليزية الأخيرة ضد العراق. و«تميّزت», عندما هدد الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك غاضبا بركوب طائرته وقطع زيارته لإسرائيل والعودة إلى باريس إذا «تمادى» رجال الأمن الإسرائيليون بمضايقاتهم له، ومنعه من الحديث مع الفلسطينيين عندما كان في جولة بشوارع القدس.

ولا شك أن مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط» الذي يدافع عنه الرئيس ساركوزي باسم فرنسا، سيكون له، إذا تحقق، ثقله على التوازنات الدولية لمصالح القارة الأوروبية.

وإذا كان قد دافع عنه بحماس أثناء جولاته في المغرب العربي التي كانت تونس محطتها الأخيرة قبل عدة أيام، فإن الرهان الحقيقي، مع ذلك، ليس في غرب المتوسط وإنما في العقدة شرق الأوسطية، وفي التعنّت الإسرائيلي «المزمن» حيال رفض حق الشعب الفلسطيني بدولته المستقلة فوق أرضه. ومشاريع «التوحيد» المتوسطي تمر حكما من خلال «المعبر الفلسطيني» أولا وأساسا. وهنا «التميّز» هذه المرّة.

ورغم الانسجام في أطروحات الرئيس الفرنسي «المتوسطية» وتسلسلها المنطقي والمنسّق و«الرائد» فإن الخطوة الحقيقية في «الموعد» الذي قصده «مع التاريخ» ستكون في إسرائيل التي سيزورها خلال شهر يونيو المقبل.

كاتب سوري ـ باريس