ليتنا نعمق فكرة التقريب بين الأجيال عبر برامج جادة تعد لفئات متنوعة من أفراد المجتمع. هناك من يظن أن جيل الشباب هو وحده المحتاج لفهم الأجيال التي تكبره. الحقيقة أن الكل يحتاج أن يفهم الكل. حينما ألتقي بطالب في المرحلة الثانوية أكتشف هوة عميقة بيني وبينه في رؤية الأحداث من حولنا وفي الطموح والنظرة للمستقبل، كأننا أحياناً نتحدث لغات مختلفة.

لكن تواصل ظهور تقنيات جديدة أكثر تعقيداً في وسائل الاتصال وغيرها تعمق الهوة بين جيل جديد مرتبط أكثر بالعالم وجيل يكبره لكنه أبطأ في ملاحقة المنتج الجديد وأكثر ارتباطا بمحيطه المحلي أو القريب. إننا إزاء جيل يتعلق أكثر بناد عالمي مثل ريال مدريد وجيل آخر أكثر تعلقاً بالهلال أو الوصل. وهكذا تزداد الفجوة بين أجيالنا ربما باليوم الواحد فكيف نصنع فرصاً لتواصل خلاق وبناء بين الأجيال في مجتمعاتنا؟

من التجارب المهمة التي عشتها أثناء الدراسة والعمل في الولايات المتحدة الأميركية وتمنيت نقلها إلى العالم العربي كانت جدية الاهتمام بخلق فرص للتواصل بين الأجيال في المدارس والجامعات وقطاعات مهمة أخرى. دائماً هناك حضور شبابي لأكثر الفعاليات سياسية كانت أو اقتصادية.

ولهذا أحرص دائماً أن يتواجد طلاب الجامعات في أي فعالية أو مؤسسة يتاح لي العمل بها عبر برامج التدريب والتعاون أو التطوع. ومساء الخميس الماضي كانت فرحتي بمناسبة مهمة جمعتني بعشرات من الشباب المتألق في دبي لا تضاهى.

قلت لمنظمي لقاء الصفوة الذي رعته سمو الأميرة هيا بنت الحسين بحضور معالي وزير التربية الإماراتي د. حنيف حسن إن تلك الأمسية كانت بالنسبة لي تكريماً غالياً من دبي التي منحتني وما زالت تمنحني الكثير.

والتكريم أيضاً مسؤولية مهمة فأن تختارك دبي من ضمن أربعة نماذج للنجاح في لقاء الصفوة ثم تُكرم في مناسبة يحضرها المئات من أهلنا في دبي جاءت للاستماع لمسيرة حياتك والحوار معك حول تجربتك أمام هذا الحشد الكبير من الشباب والشابات فأنت أمام تكريم عزيز أشعرني بكرم دبي المتدفق وشهامة أهلي الكرام أبناء وبنات دبي.

كانت الفكرة التي تبنتها ورتبتها بجدارة مدرسة أسماء بنت النعمان للتعليم الثانوي بدبي، تهدف إلى خلق منبر للحديث عن بعض تجارب الحياة ودروسها. تحدثت الدكتورة مريم مطر وكيلة وزارة الصحة بلطف وعمق عن تجربتها ومسيرتها التي تتواصل نجاحاتها في كل موقع تتبوؤه.

وتحدث رجل الأعمال أحمد عبد الله عن قصة بناء شركته الكبيرة (نيو دبي) وكيف اضطر أن يبيع منزله كي يشتري قطعة أرض في (دبي مرينا) لتقوده مغامرته في أقل من 8 سنوات إلى إمبراطورية عقارية يقدر حجم أعمالها بـ 14 مليار درهم. إنها دبي: أرض الأحلام وعاصمة الإبداع.

ولما جاء دوري في الحديث عن تجربتي، كنت أنظر إلى الشاب المبدع الجالس إلى جواري الصديق محمد سعيد حارب صاحب فكرة المسلسل الشهير (فريج) كنموذج حي للإصرار على النجاح عبر الإصرار الواثق على فكرة خلاقة ربما لم تجد في البدء من يأخذها على محمل الجد.

كان محمد قبلها بيوم واحد يحتفل بالإعلان الرسمي عن بناء حديقة فريج التي ستكون واحدة من أكبر وأشهر الحدائق في دبي. وحينما تنجح في دبي فأنت فعلاً تطرق أبواب العالمية أو أن العالمية تطرق أبوابك، حقاً: النجاح في دبي يحمل مواصفات العالمية.

في تلك الأمسية المختلفة، يصر الإعلامي القدير الأستاذ ثاني جمعة بالرقاد، مدير الحوار، على سؤالي عن حرية التعبير وأداء الصحافة في الإمارات، وكنت فرحاً بالكثير من المداخلات التي تؤكد على أهمية الإعلام وعلى الرغبة الصادقة في التأسيس لإعلام جريء ومهني ومسؤول.

تسألني طالبة من مدرسة أسماء بنت النعمان إن كان بإمكان الإعلامي العربي أن يحقق تغييرا إيجابياً لمجتمعه وكنت أؤكد لها أن الإعلام المستقل والمهني والجاد يستطيع صنع المعجزات في محيطه. وعلى هامش الملتقى كنت أسأل بعض الحضور من طلاب وطالبات المرحلة الثانوية: هل تشاهدون التلفزيون وكان الجواب يكرر نفسه: لا وقت لدينا للتلفزيون إلا نادرا.

لقد قدم الإنترنت بدائل كثيرة للإعلام التقليدي وحتى المشاهد التلفزيونية المهمة يمكن الآن البحث عنها ومشاهدتها عبر الإنترنت، تقنيات جديدة يلاحقها صغارنا بانتظام وإتقان فيما نحن ـ الجيل الذي يكبرهم قليلاً ـ ما زلنا تائهين في رؤانا التقليدية لمحيطنا وللعالم المتحول بسرعة من حولنا.

ومن الأسئلة التي تكررت على مسامعي، خارج القاعة، كانت عن أحوال قريتي التي ولدت ونشأت فيها في جنوب السعودية وهل أشتاق لمناخ القرية وطقوسها. كنت أجيب بأن القرية حاضرة معنا في كثير من البلدان العربية فأغلب مدننا العربية هي قرى كبيرة والقرى الصغيرة ما زالت تغذي المدن بالطاقات البشرية وبالحنين إلى الهدوء ولحظات الصفاء التي تفتقدها كثير من مدننا العربية اليوم في زحام الطرقات والبشر.

وحياة القرية اليوم، خاصة بعد وصول الكهرباء والإنترنت والجوال، صارت طموحاً وحلماً للأثرياء أولئك الذين يسعون للهروب من زحام المدينة وضجيجها.

أغادر مسرح ندوة الثقافة والعلوم بالممزر بابتسامة عريضة ليس فقط امتنانا للتكريم الجميل من سمو الأميرة هيا بنت الحسين ووزير التربية ولكن أيضاً تفاؤلاً بجيل إماراتي طموح وتقديراً لأفكار رائدة تفاجئك بها ـ كل يوم ـ عاصمة الإبداع والطموح العربي: دبي.

هل نسيت شيئاً؟

شكراً للسيدة المحترمة شيخة حزام مديرة مدرسة أسماء بنت النعمان وللآنسة حاكمة الرحومي وفريقهما المميز على دقة التنظيم وكرم التقدير والترحيب.

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu