تبذل مصر جهودا سياسية ودبلوماسية مكثفة للتوصل إلي حل للمشكلة الفلسطينية‏,‏ انطلاقا من قناعتها التاريخية الراسخة بأن حل المشكلة الفلسطينية هو مفتاح استقرار الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط بأسرها‏.‏ وأكد هذا المعني الرئيس حسني مبارك مرارا وتكرارا‏.‏

وقد تبلورت رؤية مصرية للتهدئة بين الفلسطينيين والإسرائيليين من خلال الحوار البناء بين المسئولين المصريين وممثلي الفصائل الفلسطينية‏.‏ وأعلن الرئيس مبارك أمس أن الوزير عمر سليمان سيزور إسرائيل لإجراء مباحثات بشأن التوصل إلي تهدئة بين الفلسطينيين والإسرائيليين‏.‏

معني هذا أن أمام إسرائيل الآن خيارين أولهما أن توافق علي التهدئة‏,‏ وبهذا ينفتح الطريق أمام رفع الحصار‏,‏ ووقف العدوان علي الشعب الفلسطيني‏,‏ وهو ما يدفع بالمفاوضات الرامية إلي احلال السلام في المنطقة واما أن تراوغ إسرائيل أو ترفض مما يؤدي إلي تعقيد الأوضاع‏,‏ وتهيئة المناخ الملتهب لمزيد من العنف‏.‏

وتأتي هذه الجهود المصرية الرامية إلي التهدئة وتعزيز فرص مفاوضات السلام‏,‏ في الوقت الذي تقوم فيه كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية بجولتها الخامسة عشرة في المنطقة لدفع المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية‏..‏ وهنا لابد من الإشارة إلي أن هذه المفاوضات لم تحقق أي تقدم ملموس منذ انطلاقها عقب مؤتمر أنابوليس للسلام الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي بوش‏,‏ وانعقد في نوفمبر الماضي‏.‏ وتؤكد الشواهد والدلائل أن إسرائيل تراوغ في التفاوض حول قضايا الحل النهائي ومنها الحدود واللاجئون الفلسطينيون والقدس‏.‏ ومبعث مراوغة حكومة إيهود أولمرت هو خشية أولمرت من عصف القوي اليمينية والدينية المتطرفة بحكومته الائتلافية الهشة لو اقترب من الاتفاق علي حل القضايا النهائية‏.‏

وهذا وضع إسرائيلي واضح لكل من يتابع عن كثب مجريات الشئون الداخلية والحزبية الإسرائيلية‏,‏ ولذلك فإن أولمرت وحكومته مستمران في خرق خريطة الطريق‏.‏ بالتوسع في بناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة‏.‏

وليس أدل علي هذا السلوك الإسرائيلي المعرقل لمفاوضات السلام‏..‏ من أنه في الوقت الذي تعلن فيه كوندوليزا رايس في خلال جولتها الراهنة أن المستوطنات قضية مثيرة للمشكلات فإن إسرائيل تكشف عن اعتزامها توسيع مستوطنة هارا برخاه بالضفة الغربية المحتلة‏..‏ فقد أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن مشروع لتوسيع المستوطنة المقامة علي أراضي محافظة نابلس بشمال الضفة وتستولي إسرائيل طبقا لهذا علي نحو‏230‏ دونما من أراضي قرية بوريد‏.‏

وهنا يتعين القول إن إسرائيل لم تكف يوما عن تعزيز المستوطنات وزيادة رقعتها برغم تهديد ذلك لجهود السلام‏.‏ذلك أن المستوطنات تشكل عاملا أساسيا في السياسة الإسرائيلية منذ ديفيدبن جوريون أول رئيس لوزراء إسرائيل وحتي إيهود أولمرت‏.‏

ولذلك‏,‏ فإن تفكيك هذه المستوطنات وإزالتها من الأراضي الفلسطينية المحتلة يعد المؤشر الحقيقي علي حسن نيات إسرائيل تجاه مفاوضات السلام‏..‏ وما عدا ذلك يعد مراوغة إسرائيلية من شأنها ليس تعقيد الأوضاع في المنطقة فحسب‏,‏ وإنما إهدار فرص السلام عن عمد ومع سبق الاصرار والترصد‏.‏

ومن ثم فإن تصريح كوندوليزا رايس حول المستوطنات المثيرة للمشكلات لا يكفي‏..‏ وإنما المطلوب جهد أمريكي حقيقي لدفع إسرائيل لتفكيك المستوطنات وإزالتها والانخراط بجدية في المفاوضات للتوصل لاتفاق مع الفلسطينيين حول قضايا الحل النهائي‏.‏