التهدئة الجاري الحديث عنها حاليا هي الرابعة التي يتوصل إليها الفلسطينيون ولم يلتزم بها الإسرائيليون. ففي خضم الانتفاضة الحالية تمكن مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية من إقناع الفصائل بما فيها حماس والجهاد عن إعلان تهدئة من طرف واحد لكن إسرائيل سارعت إلى نقضها باغتيال أحد القادة الميدانيين المقربين من مروان نفسه وهو رائد الكرمي قائد كتائب الأقصى في طولكرم، ووقتها أعلن البرغوثي أن إسرائيل فتحت أبواب جهنم على نفسها.
وغادر اجتماعا مع الرئيس الراحل ياسر عرفات في المقاطعة في رام الله وهو يتوعد إسرائيل بالرد وكان ذلك في شهر يناير 2002 الذي شهد ردودا فلسطينية موجعة لإسرائيل حيث بدأت كتائب الأقصى في تنفيذ عمليات استشهادية داخل إسرائيل لأول مرة كانت حصيلتها 97 قتيلا إسرائيليا بين مدني وعسكري في شهر واحد وكانت كتائب الأقصى حتى ذلك الوقت تنفذ عمليات داخل الضفة فقط.
فإسرائيل هي التي نقضت تلك الهدنة التي استمرت 50 يوما، وفي وقت لاحق ومن داخل سجنه نجح البرغوثي في ترتيب هدنة ثانية وأقنع حركة حماس بواسطة رسل أرسلهم إلى دمشق وغزة بقبولها حتى لا تنفذ إسرائيل تهديداتها باغتيال قادة حماس، لكن إسرائيل لم تلتزم بها أيضاً وواصلت عملياتها العسكرية في الضفة وغزة .
وعندما أطلق الرئيس الفلسطيني محمود عباس مبادرة للتهدئة لإفساح المجال أمام المساعي السلمية واستئناف المفاوضات دعمه البرغوثي بمساعيه لدى حماس لإفساح المجال لانسحاب إسرائيل من غزة، لكن إسرائيل نقضت التهدئة مع حركة الجهاد أيضاً حيث نفذت حركة الجهاد عملية استشهادية في نتانيا وردت إسرائيل بحملة اغتيالات ضد قادة الجهاد في الضفة الغربية وردت الجهاد بإطلاق الصواريخ نحو سديروت وكانت تلك بداية حرب الصواريخ المستمرة حتى الآن.
التهدئة الحالية التي يجري الحديث عنها وباتت مطلبا من حركة حماس يتم عرضها حاليا بعبارات مكررة سبق للرئيس الفلسطيني محمود عباس ان قالها في مجال تبريره للهدنة والتهدئة كالمصلحة الوطنية العليا والصواريخ العبثية التي تعود بالضرر على الشعب الفلسطيني نتيجة للردود الإسرائيلية العنيفة.
وكان الرئيس الفلسطيني عرض خطته الأخيرة للتهدئة على مصر التي تولت التشاور بشأنها مع إسرائيل وحركة حماس، التي أبدت اعتراضا في البداية على عدم مشاركتها في إدارة معبر رفح في حالة إعادة فتحه، لكن إسرائيل والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تصر على إعادة فتح المعبر وفقا لاتفاقية 2005 حيث يتولى مراقبون أوروبيون إدارته بالتعاون مع قوات الأمن الفلسطينية.
إسرائيل من ناحيتها ترفض شروط حماس للتهدئة وتصر على مقابلة التهدئة بالتهدئة فقط، وعادة تشترط إطلاق يدها في العمل العسكري في حالة ما تسميه وجود قنابل موقوتة أي اعتزام جهة فلسطينية تنفيذ عملية عسكرية.وهذا يتيح لها القيام باغتيالات وقصف لإحباط هذه العمليات المفترضة وهذا من شأنه تقويض التهدئة كما حدث مرارا في السابق.
وثمة أغلبية حكومية إسرائيلية الآن تعارض التهدئة باعتبار انها تتيح لحركة حماس إعادة تسليح وتنظيم نفسها، لكن مصر أوفدت مبعوثا خاصا قبل لقاء الفصائل في القاهرة هو حسام زكي الذي عرض خطة التهدئة كما تراها مصر والتي عرضتها على الفصائل الفلسطينية وأكد المبعوث المصري أن بلاده ستشدد من إجراءاتها لمنع تهريب السلاح من مصر إلى غزة.
لكن كثيرا من الوزراء الإسرائيليين بمن فيهم وزير الحرب ايهود باراك ووزير الأمن الداخلي افي ديختر ورئيس جهاز المخابرات أبدوا معارضة لخطة التهدئة قائلين أن الوقت هو وقت مواجهة مع حماس وليس تهدئة، وان التهدئة يجب ان تكون من موقع الردع.
إضافة إلى ان حركة الجهاد الإسلامي لديها تحفظات حول التهدئة وتريدها متوازنة بحيث تشمل الضفة الغربية مع الاحتفاظ بحق الرد على اي خرق إسرائيلي أضف إلى ذلك فإن الأجنحة المسلحة لحركة فتح في غزة لم تعترف بالتهدئة بعد في إطار صراعها مع حركة حماس التي كانت ترفض التهدئة في السابق عندما لم تكن في موقع السيطرة على قطاع غزة.
إذا نجحت التهدئة ونجح الوزير عمر سليمان في إقناع إسرائيل بها فإنها مرشحة للاستمرار بطريقة أو بأخرى مع خروقات بين الحين والآخر حتى نهاية هذا العام والسؤال هو ماذا بعد ذلك؟. المشهد العام سيكون مختلفا فالمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية لم تتقدم قيد أنملة حتى الآن، والرئيس الفلسطيني عاد من واشنطن بدون إجابات على أسئلته حول مدى قدرة الإدارة الأميركية على التدخل للضغط على إسرائيل.
وسمع من الرئيس الأميركي كلاما عاما مفاده أن الأمر متروك للطرفين لكي يتوصلا إلى اتفاق خلال فترة ولايته بل ثمة ضغوط من اللوبي اليهودي في واشنطن لكي يقوم الرئيس الأميركي جورج بوش بتوضيح رؤيته الداعية إلى حل الدولتين بحيث يحدد ملامحها من وجهة نظر إسرائيلية.
ولعل وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني عندما فردت أمام المفاوض الفلسطيني احمد قريع خارطة حول التصور الإسرائيلي للحل النهائي بحيث تحتفظ إسرائيل باحتلالها لغور الأردن «ثلث مساحة الضفة» والكتل الاستيطانية الكبرى والقدس كانت تشير إلى الرؤية الإسرائيلية للحل، وهو ما رفضه قريع بغضب وأمسك بالخارطة ودفعها بكلتا يديه.
وهذه الرؤية الإسرائيلية هي التي يمكن يتبناها الرئيس بوش في خطابه أمام الكنيست أثناء مشاركته المرتقبة في الذكرى الستين لقيام إسرائيل ويمنحها وعد بلفور جديدا يضفي شرعية على احتلال أكثر من ثلث الضفة الغربية وهذه الرؤية المعدلة وراثيا بجينات إسرائيلية هي ما تخيف العرب حاليا لأنها ستكون ملزمة للإدارة الأميركية التالية سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية التي لن تعيد فتح ملف القضية الا بعد سنوات وهذا كله يترك الوضع عرضة للانفجار في اية لحظة.
وتعتقد الدول العربية خاصة مصر والأردن والسلطة الفلسطينية والسعودية أنها لن تقبل بدولة منقوصة الأرض والسيادة لهذه الدرجة كما تريدها إسرائيل، وأكثر ما يخشاه الأردن هو أن إسرائيل عمليا تدفع باتجاه تكرار تجربة غزة في الضفة اي تصدير غزة إلى مصر وما تبقي من الضفة إلى الأردن.
فمصر عمليا باتت تتولى شؤون قطاع غزة، سياسيا وأمنيا وكهربائيا ومائيا لاحقا، وهو جوهر مشروع شارون ثم اولمرت أي الانسحاب الأحادي وترسيم الحدود وتصدير القضية الفلسطينية إلى الدول العربية، فالكرة عمليا ليست في الملعب الأميركي بل العربي وعلى الدول العربية أن تتحرك بقوة إن أرادت تفادي تحويل القضية العربية من مشكلة عربية إسرائيلية إلى مشكلة عربية عربية.
رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين