راهن الكثيرون على أن الديمقراطية في البحرين مؤقتة وقصيرة، وإنها ليست إلا ديكورا لمشروع الإصلاح الذي ولد مع استلام عاهل البلاد سدة الحكم، وكان عليه أن يختار بين نهجين، إما مواصلة النهج القديم والذي ادخل البلاد في طرق مسدودة ونفق مظلم، أو البحث عن خيار تاريخي مختلف ونهج ينقل البلاد إلى ألفية ثالثة جديدة، وينفرج سياسيا على منهج وخيار التغيير، فكان عليه أن يعالج ملفات متراكمة من كل الجوانب.
يومها رقصت البحرين فرحا حينما أعلن عن خطوات كبيرة كعودة المنفيين وإطلاق سراح المعتقلين وإعادة الحياة النيابية وإلغاء مرسوم أمن الدولة، ذلك المرسوم المشؤوم والذي أخذت الصحافة تنتقده بقوة، وتنقد كل المرحلة السابقة بحرية وتكتب بأفق ورؤية ومساحة من الحريات لم تتصورها الساحة السياسية الداخلية ولا حتى الخارجية.
بل وأخذ الملك يفاجئ الشارع السياسي بخطوات تاريخية كبرى نقلت البحرين نحو التحديث وبناء مجتمع مدني يعي دوره ويؤسس لدولة القانون، فكان على الطرفين أن يستوعبا دورهما ويتفاعلا مع جانبين بكل وعي هما: مسؤولية المجتمع والدولة وحقوق وواجبات الدولة والمجتمع، فبدونهما يختل التوازن ويدخل الصراع مراحل معيقة للتطور.
وخلال الدورتين النيابيتين كانت تصريحات الملك ومفاجآته تبرز في الخطب أو في إعلان المواثيق والمراسيم والقوانين، فقد كان دائماً يدافع عن الصحافة والصحفيين ويلتقي معهم بانتظام، ويؤكد لهم أن مشروع الإصلاح والديمقراطية يصبح مهما مع حرية التعبير والحريات العامة، وأنه سيقف سندا ومدافعا عن تلك الشريحة الحيوية والمهمة للمجتمع، بل ويراها العين الراصدة والنقدية لكل مظاهر الفساد والأخطاء والمتابعة والموضوعية في علاج ظواهر لا يمكن مسكها من العمق إلا عبر الصحافة الحرة.
وعندما تبدأ الأصوات المعادية لحرية الكلمة والنقد والتنوير ملاحقة الأقلام الحرة من الصحفيين والمثقفين كان الملك يقف مدافعا بقوة عن حقوق الصحفيين وحق الصحافة. وعندما حاولت أصوات نيابية ظلامية تمرير مشروعها المستبد بحبس الصحافي كان الملك يرفض هذه العدائية، ويعلن أنه لن يقبل قوانين وتشريعات مستبدة ضد الصحافة.
في مثل هذه المناخ الديمقراطي الوليد أخذت فيه الصحافة البحرينية تنتعش بفضاء حر وتفتح صفحاتها لكل كاتب ومثقف بإمكانه أن يثري حياتنا السياسية والفكرية. وكلما حاولت قوى الظلام عرقلة مسيرة الحريات كان الملك يؤسس بقوة مشروعه من خلال أفكار ومراسيم جديدة، فكان الأول من مايو إجازة رسمية فتحت فيه أفقا لم تكن تتوقعه الحركة النقابية.
وفي هذا العام اصدر الملك بيانه بإقامة نصب تذكاري للعمال في أحد الشوارع الكبيرة لكي يؤكد أنه مع التحولات في لحظة تاريخية يتأسس فيه الاتحاد العام لعمال البحرين، ويعلن بصورة موازية ليوم الصحافة العالمية في خطابه النبيل بأهمية الصحافة وتأثيرها في مجتمع حر ديمقراطي.
بل وأكد بقوله: «ومن منطلق قناعتنا بأهمية توفير الأمان والحماية والحرية للصحفيين في إطار القانون فقد وجهنا إلى تطوير الإطار التشريعي المنظم للعمل الصحفي، الأمر الذي ينسجم مع ما أسفرت عنه المراجعة الأممية الدورية لسجل البحرين في مجال حقوق الإنسان، والذي حظي بإشادة دولية واسعة تثبت أننا نسير معا في الاتجاه الصحيح، حيث ستظل الديمقراطية خيارنا والعدل رائدنا، ومصالح البحرين العليا لدينا فوق أي اعتبار».
ولكي ننتقل عبر التراكمية والتجربة الجديدة ومواجهة كل عقبات الماضي والحاضر دون خوف تصبح الصحافة نافذتنا النقدية، وكمثقفين وصحفيين نتلمس مظاهر التغيير، ونلمس إمكانية متابعة النقد دون خوف والكتابة لكل ما يدور وسط الشارع السياسي وبفتح ملفات ساخنة لم تكن في العهد القديم إلا ظلالا من شبح الخوف والكتمان، بينما اليوم يعلن الملك أن لا أحد خارج المساءلة القانونية، فهناك مؤسسات ولدت وظيفتها الدفاع عن هموم الناس ومعالجة كل التحديات السياسية والاقتصادية بروح جماعية.
ذلك المناخ السياسي المفتوح جعل من صحافة النقد مفتوحة بمساحات أوسع في التحليق نحو الممكن طالما هناك رؤية إصلاحية ترى في الصحافة وحريات التعبير هي الواجهة الحقيقية للديمقراطية الوليدة في البحرين، حيث يتوقع الجميع أننا لن نعبر المرحلة السابقة بسهولة أو دون مواجهات.
فكان على المجتمع المدني والصحافة أن تقبل الدخول في حلبة المواجهة طالما أن الإطار القانوني يسندها والرؤية الملكية تستوعب معنى التحولات ورغبة التحدي في مجتمع متحول ممتلئ بالتناقضات والمشاكل، فكان علينا أن نؤسس للحريات والحوار السياسي والابتعاد عن لغة العنف والقبول بأهمية دولة القانون.
دون نسيان محور يتأسس عليه مشروعنا الإصلاحي الجديد وهو الابتعاد عن غرس شرور تمزق وحدة المجتمع الواحد على أسس بغيضة من الطائفية المقيتة، فكان الملك والصحافة عمودنا الفقري لحركة الأقلام الحرة والنبيلة في مواجهة هذا الداء الساعي «لطأفنة» مجتمعنا ووحدتنا الوطنية، حيث تحارب الصحافة والصحفيين بقوة هذا السرطان.
في مناخ تتصاعد فيه صحافتنا بايجابية مستمرة كان الملك يقف دائما كراعٍ لها. وفي كل عام تحتفل صحافتنا باليوم العالمي لحرية الصحافة يفاجئنا عاهل البلاد حمد بن عيسى بصوته وخطابه المفعم بروح التضامن لحرية الصحافة والصحفيين، واضعا أسس الترسيخ نحو مستقبل أكثر إشراقا.
وقد جاء خطاب هذا العام مع توقيع ميثاق لصحفيي البحرين على مناهضة كل ما يمزق بلادنا فكان الميثاق يتضمن شعارا هاما وبندا أساسيا بعنوان «صحافيون ضد الطائفية» ليؤكد الميثاق على التزام وطنية الصحافة الحقيقية نحو وحدة النسيج الاجتماعي البحريني كسد منيع ضد قوى التخريب والظلام.
كاتب بحريني