منذ دخول نظام المحاصصة الطائفية الساحة والمشهد العراقي بات لكل فريق طائفي في العراق ميليشيا معلنة خاصة به. الميليشيات المسلحة ظاهرة مميِّزة بل مكمّلة للمشهد العراقي الاجتماعي والسياسي والفكري والعقائدي العام. رئيس الدولة العراقية ونوابه، ورئيس الوزراء ونوابه، ورئيس البرلمان ونوابه على رأس قائمة الشخصيات التي لها أرصدة ميليشاوية ملحوظة بقوة في الشارع العراقي.
جل الوزراء والنواب لهم أرصدة ذوات بأس وقوة لا يُستهان بها في صفوف الشعب العراقي المكلوم. الأمراء التقليديون للأحزاب والمذاهب والفئات يرصدون جهوداً شخصية ومبالغ مالية قد لا يسهل على الكثيرين تصديق ضخامتها وآثارها السلبية على العراق حاضراً ومستقبلاً.
هنالك ميليشيات شيعية خاصة بحزب الدعوة والمجلس الأعلى والفضيلة والتيار الصدري وثأر الله وحزب الله. في الواجهة السنية للعراق هنالك ميليشيات الحزب الإسلامي والصحوة وأنصار السنة، ومن بات محسوباً على فكر تنظيم القاعدة وأمرائها شاء أم أبى.
في الشمال هنالك الميليشيات الكردية لأحزاب الاتحاد والديمقراطي والإسلامي الكردستاني، كل منها على حدة. ليس هذا كل ما في الأمر بل باتت هنالك أحزاب ميكروسكوبية تظهر تباعاً مع الأيام خاصة مع اشتداد الأزمات وزيادة أنواع الضغوط والاحتقانات المذهبية الرئيسية والفرعية وارتفاع حرارة الاحتكاكات البينية. القاسم المشترك بين الميليشيات المتصارعة في جلها هو رفضها الامتثال لسلطة الحكومة المركزية التي أنشئت بعد الاحتلال.
على حداثته ونقص خبرته في الحكم وألعاب السياسة الدولية يريد السيد نوري المالكي رئيس الوزراء الامتثال لأوامر وتوصيات الاحتلال. الأوامر الصادرة تقتضي السيطرة على الميليشيات بدءاً بالمكروهة على قلب وعقل الاحتلال الأنجلو ـ أميركي.
بالذات ميليشيا التيار الصدري المقاوِم للاحتلال منذ البداية. فعلاً استل المالكي سيفه وأصدر أوامره بالبدء بما يُعرف بصولة الفرسان. لا يزال السيد المالكي يعيش أيام الفروسية العربية الأولى يريد فيها أن يصول ويجول في المكان، لكن بدعم عن كثب من أسلحة الفرسان والقناصة والجيش والطيران المروحي والحربي الأميركي.
الجيش الأميركي يتصرف والحال هذه كما لو كان صياداً مسلحاً في غابة من الوعول. من يُقتل أو يُجرح أو يُدمر بيته فهو من عناصر جيش المهدي أو أتباع التيار الصدري أو كليهما؛ تبعاً لذلك لا يلوم المرء إلا نفسه إذا ما قُتل أو جُرح أو نُكب. ما ينتج عن صولة المارينز الأميركي من جرائم يُعلّق تلقائياً على جبين ورقبة ويدي جِمال محامل الاحتلال الأميركي، أركان الحكم العراقي الجديد.
لكن ومع تقليب صفحات الذاكرة الحديثة قليلاً نجد أن تلك الأوامر الصادرة للسيد المالكي هي نفسها الصادرة للسيد كرزاي للتخلص من حركة طالبان. هي نفس صيغة الأوامر الصادرة إلى مجموعة السيد أبو مازن لضرب حركة حماس في قطاع غزة.
ثمة هي نفس الأوامر الصادرة إلى الحكومة اللبنانية بالتعامل مع ملف حزب الله والمقاومة اللبنانية. الدول والحكومات المستقرة الأخرى لديها نفس صيغة الأوامر للقضاء على أية معارضة أو مقاومة للمشروع الأميركي في المنطقة.
بالأمس واليوم في المنطقة الوسطى من العراق كان تنظيم «القاعدة» هو الشيطان والشبح الذي ارتكبت للنيل منه عشرات آلاف الجرائم؛ ارتُكبت في وضح النهار وظلمة الليل ضد المدنيين العزل. حديثاً جاء دور التيار الصدري وجيش المهدي والذي تم تصنيفه بين عشية وضحاها على أساس أنه منظمة إرهابية وأعضاؤه خارجين عن القانون. من يدري بعد التيار الصدري ربما تأتي أدوار تيارات المالكي والهاشمي والحكيمي وبدرجة أقل تيارا الطالباني والبرزاني؟!.
الإستراتيجية والتكتيكات والمصالح الأميركية في النهاية لا تعرف المهادنة لا مع الحليف ولا الصديق ولا العدو؛ ربما يكون العدو من أكثر الفئات نجاة من صانعي القرار الأميركي، السياسي والميداني. في لعبة الاحتلال الأميركي لا توجد قواعد ولا ضوابط ولا طبعاً أخلاقيات. لطالما وجدت الإدارة الأميركية بجانبها مجموعة عراقية من مسلوبي الإرادة، بات على المراقبين للمشهد العراقي توقّع مهازل جديدة يوماً إثر يوم.
بتدخله السافر في شؤون الدولة والحكم العراقيين يوسّع الاحتلال الأميركي من نطاق المعضلة ويعمّق من اعتماد حكومة المنطقة الخضراء وسط العاصمة بغداد عليه. هذا بالإضافة إلى مآرب أخرى ينتظر الاحتلال تحقيقها نتيجة تمسكه بحالة الإمساك بكافة خيوط اللعبة في العراق. بالذات على الإيرانيين أن يفكّروا جيداً أو استمروا في رؤية حلفائهم من كافة الميليشيات يُصلبون الواحد تلو الآخر بدءاً من الشمال حيث البشمركة إلى الجنوب حيث الميليشيات الشيعية القريبة أيديولوجياً وجغرافياً من إيران.
في ذلك انتقلت الحرب في العراق بتخطيط أميركي مباشر وغير مباشر وبضعف من الطرف السياسي الإيراني وحلفائه إلى عمق الحياة السياسية والعامة الإيرانية. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن دخول إيران المعروفة بثقلها النوعي والكمي الجديد في الساحة العراقية يزيد من ارتفاع منسوب الدم العراقي المسال الذي لا يحتاج إلى كثير من الشحن المذهبي والتسليح العسكري لتأجيجه عالياً.
الآن وأكثر من أي وقت مضى لا يغيب عن أي مراقب للمشهد العراقي حاجة الشعب العراقي الماسة إلى الأمن والأمان والخدمات العامة. ما الذي يقيّد أيدي أركان الحكومة من المضي قُدماً في تحقيق المصالحة السياسية الحقيقية وجلوس كافة الأطراف حول مائدة مستديرة حقيقية إذ يقضي بل يحتّم الأمر ذلك؟!.
ما الذي يمنع كافة رؤساء وزعماء التيارات والميليشيات والأحزاب والشخصيات النافذة من التخلي عن كراسيهم الحزبية المصنوعة من دعم ميليشيات لا تأبه أن تعيث في الأرض فساداً وعنفاً في سبيل تحقيق شعارات ضيقة خاصة بها؟!.
في النهاية بل ما الذي يمنع كافة الأطراف من توجيه جهودها نحو هدف سامٍ واحد وهو التخلص من الاحتلال وتبعاته والتي ستظل ماثلة بسوء في ذاكرة الشعب العراقي إلى أجل غير مسمى؟!. ذلك بعد أن ثبت للجميع وبعد خمس سنين عجاف أن الاحتلال الأميركي لم يأت لإنقاذ أي أحد من أي أحد آخر!.
جامعة الإمارات