حتى الدعوة إلى الحوار كآلية للإئتلاف في ظل الاختلاف سواء في المسائل الدينية أو السياسية تبقى مسألة خلافية، ربما لا تكون على الحوار ذاته وإنما على مدى الرؤية لنفعه من ضرره في ظل ضعف طرف أو غفلة أو ارتهان آخر.. ومع ذلك يبقى الاختلاف في الاجتهادات من حق العقلاء من الحكماء من السياسيين أو العلماء في كل دين، لكن لا أظن أن من حق أحد الاعتراض على مبدأ الحوار المتكافئ للتفاهم بين المختلفين.
و من يرى بمواصلة الحوار بين شهود الصدق وقوى الخير في كل دين يتطلع لنتائج بناءة تسهم في صنع التفهم المتبادل إن لم يصل إلى درجة التفاهم المتبادل لخير وسلام الإنسانية، ويسعى لمنع شهود الزور على كل دين وقوى الشر بالظلم والعدوان والاستغلال من دفع الإنسانية إلى الهاوية في حروب دينية نعرف كيف تبدأ لكن لا نعرف كيف تنتهي !.
مثلما عرضنا بالأمس لما عبرت عنه حركة «يهود لا صهاينة» في الدوحة من رفض لإسرائيل باعتبارها ضد التوراة كدولة صهيونية لا يهودية، ومن إدانة للإرهاب الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني ومن دعوة يهودية لزوال الدولة الصهيونية، بعد حوارهم مع الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي خرج باتفاق على ثلاثة مجالات للعمل المشترك هي تأكيد الإيمان بالله الواحد، ومحاربة الظلم بكل أشكاله ومصادره، ومكافحة الإلحاد اللا ديني والانحلال الأخلاقي.
ومثلما حدث العام الماضي في أبوظبي حينما اعتذر المئات من ممثلي الديانة المسيحية في العالم للمسلمين عن آثام الحروب الصليبية والمسيحية منها براء، وعما يرتكب من جرائم إرهابية غربية ضد الإنسانية باسم الحرب على الإرهاب!
وذلك رد إيجابي على تبرؤ العشرات من ممثلي الديانة الإسلامية مما وقع من جرائم إرهابية ضد الأبرياء بعيدا عن المقاومة المشروعة ضد الاحتلال ، قام بها بعض المسلمين والإسلام منها بريء. و مثلما يحدث في الرياض من دعوة خادم الحرمين الشريفين لحوار شامل بين علماء الأديان لحضور الدين في مواجهة محاولات تغييبه أو تشويهه، وللالتقاء حول القواسم الإيجابية المشتركة لخير الإنسانية كلها.
ومثلما حدث في الدوحة في مؤتمرات حوار الأديان وفى طرابلس وفى بعض عواصم الغرب، بمؤتمرات الحوار الإسلامي المسيحي. شعوب الشرق العربي الإسلامي في غالبيتها ليس لديها مشكلة في الواقع مع إسرائيل باعتبارها كيانا يهوديا، ولا مع الغرب باعتباره مسيحيا، حتى ولو كان الواقع يضع إسرائيل بصهيونيتها كشاهد زور على صحيح الديانة اليهودية، ويضع الغرب سواء بإلحاده الحديث أو بصليبيته القديمة كشاهد زور على الديانة المسيحية.
والمشكلة مع إسرائيل ليست مع الديانة اليهودية، ولكن مع الحركة الصهيونية بمشروعها الاستعماري وطابعها العنصري وطبيعتها العدوانية، كونها أكبر قاعدة عسكرية عدوانية للاستعمار الغربي في الشرق. والمشكلة مع الغرب ليست مع المسيحية بعد أن تخلى هو عنها بعلمانيته وبماديته، ولكنها فيما وقع من العدوان الغربي الاستعماري الذي تستر بالدين في حروبه الصليبية المتوالية القديمة والحديثة ضد العرب المسلمين في الشرق.
فليس هناك مشكلة بين الإسلام وصحيح الأديان، والأخوة بين الرسالات السماوية الصحيحة والإيمان برسلها هي إحدى شروط إيمان المسلم، وفى ظل الدولة العربية الإسلامية عاش الجميع مسلمين ومسيحيين ويهود يجمعهم الوطن الواحد كمواطنين تحت مظلة سياسية واحدة، وأسهموا على اختلاف دياناتهم في بناء حضارتها الإنسانية المشتركة.