مع حلول واستمرار الفورة النفطية الثانية هل تستفيد الدول الخليجية من سلبيات الفورة الأولى التي امتدت من أوائل سبعينات القرن الماضي إلى أوائل الثمانينات؟

إبتداء من عام 1973 تصاعدت أسعار النفط في السوق العالمية من نحو دولارين للبرميل إلى ما يقارب 40 دولاراً على هيئة قفزات متلاحقة متسارعة الإيقاع. كانت تلك فرصة تاريخية هي الأولى من نوعها في تراكم ثروات دون جهد يذكر لبلدان قليلة السكان. فكيف تعاملت الدول الخليجية مع هذه الظاهرة الاقتصادية الاستثنائية؟

مما لا شك فيه أن هذه الدول أفادت من الثروة في إقامة مشروعات للبنية التحتية الأساسية: إنشاء شبكات طرق وتحسين موارد المياه وتعميم الإمداد الكهربائي وفتح دور للتعليم من المستوى المدرسي إلى المستوى الجامعي وإنشاء مطارات.

يضاف إلى ذلك أن المستويات المعيشية للسكان عامة حققت نقلات نوعية، لكن مع هذا الإنفاق الضخم وجدت الحكومات الخليجية أنه لا تزال لديها ـ مع استمرار الارتفاع المتواتر في الأسعار العالمية للنفط الخام ومع التوسع في إنتاجه ـ فوائض مالية تقدر بمليارات الدولارات، وعند الحديث عن السلبيات فان هذه الفوائض «البترودولارية» تأتي على رأس القائمة.

لقد تحولت هذه الفوائض الأسطورية إلى ودائع في البنوك الغربية مما أفرز تلك الظاهرة التي أطلق عليها «إعادة التدوير» التي كان المستفيد الأكبر منها سلسلة البنوك الغربية والخاسر الأكبر دول العالم الثالث، فبالرغم من أن الدول الخليجية تقاضت فوائد مجزية عن ودائعها إلا أن البنوك الغربية استغلت ما لديها من هذه الأموال «لإعادة تدويرها» كقروض إلى حكومات العالم الثالث.

قد يبدو هذا أمراً عادياً لا غبار عليه لو أن تلك القروض كانت قروضاً تنموية من حيث حجمها والأمد الزمني لسدادها، لكن كانت في الحقيقة قروضاً قصيرة المدى وبفوائد باهظة، وبهذا فإن عملية إعادة التدوير تحولت بعد مرور بضع سنوات إلى ظاهرة مديونية العالم الثالث التي دفعت ببلدانه إلى حافة الإفلاس.

والآن جاءت الفورة النفطية الثانية حيث تصاعدت أسعار النفط الخام خلال عقد زمني واحد بمقدار عشرة أضعاف أصبحت قابلة للزيادة، والمأمول أن تكون الحكومات الخليجية قد وعت درس الفورة السابقة، وبطبيعة الحال فان أول بنود هذا الدرس هو كيفية التصرف في فوائض الأموال علماً بأنها تتعاظم بمعدلات أكبر بالمقارنة مع فورة السبعينات.

وفي هذا الصدد فان أوضح ما يبرز هو تحاشي الاستثمار المصرفي لصالح توجيه فوائض الأموال نحو استثمار إستراتيجي نوعي وداخلي بهدف خلق قطاعات تنموية جديدة للتحرر من الاعتماد الأحادي على النفط الخام كمصدر أوحد للدخل القومي لغرض تنويع مصادر هذا الدخل حيث إن النفط مورد اقتصادي قابل للنضوب.

أما على المستوى الخارجي فإن الأفضل توجيه الاقتصادات الخليجية صوب استثمار إستراتيجي آخر بالاشتراك مع دول عربية أخرى من أجل غايات اقتصادية إستراتيجية الطابع مثل تحقيق اكتفاء ذاتي في الغذاء للشعوب العربية بما فيها الشعوب الخليجية بالطبع.مع اتجاه أسعار النفط الآن نحو 200 دولار للبرميل يتيح التاريخ فرصة جديدة للدول الخليجية نأمل أن تستثمر نوعياً لأقصى حد.